> «الأيام» غرفة الأخبار:
أكد تقرير أصدره المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية والاستشراف، أن المواجهات في غرب تعز تكشف أن استمرار التعامل مع المحافظة باعتبارها ساحة لتوازن القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين أصبح يهدد مصالح هذا المعسكر بأكمله. فاختراق جبهة الكدحة وتعطل الاتصال عبر الطريق المؤدي إلى المخا يربطان أمن المدينة والريف بأمن الساحل بصورة مباشرة، ويجعلان تأجيل معالجة هشاشة تعز مصدرا لخطر يتجاوز حدودها. والسؤال الذي تواجهه الحكومة اليوم هو ما إذا كانت ستجعل استعادة سلطة الدولة في المحافظة أولوية استراتيجية، وتعيد توزيع الموارد على هذا الأساس، أم ستكتفي باحتواء الهجوم ضمن الترتيبات التي سبقت اندلاعه.
يرجح المركز، بدرجة ثقة متوسطة، أن حسابات النفوذ بين القوى المحلية وداعميها الإقليميين تسهم في تقييد قدرة تعز على المواجهة، إلى جانب ضعف الموارد والتخطيط والتنسيق. وتستند هذه القراءة إلى سوابق منشورة تربط محدودية الإسناد بالخوف من تمكين منافسين محليين، وإفادات خاصة بشأن تفاوت الدعم في الجولة الراهنة. لكنها لا تثبت وجود قرار مشترك بتسليم مواقع للحوثيين، ولا تسمح بإسناد كل إخفاق عسكري إلى تدخل خارجي.
ويقدر المركز أن استمرار هذا النمط يخلق تناقضا متزايدا: تسعى القوى الداعمة للحكومة إلى حماية الساحل ومنع تقدم الحوثيين، بينما قد تؤدي مخاوفها من نتائج تمكين بعض شركائها إلى إضعاف العمق البري اللازم لهذه الحماية. وتصبح إدارة التوازن بين الحلفاء، في هذه الحالة، عاملا يساعد الخصم على تغيير التوازن معهم جميعا.
خلال الأسابيع الأربعة إلى الستة المقبلة، يبقى احتواء نسبي للتصعيد دون إصلاح مستدام للقرار العسكري المسار الأرجح. أما التحول المطلوب فيتمثل في اعتماد تعز والساحل مجالا مترابطا للأمن الوطني، وربط الإسناد بالاحتياج والمساءلة، ووضع استعادة سلطة الدولة في بقية المحافظة ضمن هدف سياسي واضح. ولا يعني ذلك إطلاق هجوم شامل فوري؛ بل بناء الشروط التي تجعل الحكومة قادرة على اختيار مسارها، عسكريا وتفاوضيا، بدلا من الاستجابة المتأخرة لمبادرات الحوثيين.
يعتمد التقدير على التغطيات العلنية، وإفادات خاصة نقلها معد المادة عن اتصالات بشخصيات في تعز وداخل الحكومة. وتظل المقارنة التفصيلية بين موارد الجبهات، وتسلسل طلبات الإسناد والاستجابة لها، فجوة معلوماتية مؤثرة في تحديد مسؤولية القرارات. ويستخدم النص تعبير "تحرير تعز" بمعنى استعادة سلطة الدولة وحماية السكان في المناطق المتبقية تحت سيطرة الحوثيين، دون افتراض وسيلة عسكرية واحدة أو استبعاد تسوية تحقق هذه الأهداف.
تصف التغطيات المنشورة في 6 سبتمبر مواجهات مستمرة في الكدحة ومحيطها، وتربط إعادة فتح طريق تعز–المخا باستعادة المواقع الحاكمة. وتدعم هذه المعلومات وصف اختراق الجبهة وتعطل الحركة عبر الطريق في نطاق القتال. أما سقوط كامل منطقة الكدحة أو انقطاع جميع منافذ تعز، فلا تحسمه المادة المتاحة، خصوصا مع استمرار الهجمات المضادة وتغير خطوط السيطرة.
سبق ذلك تصاعد الضغط على المخا ومحيطها، بالتوازي مع هجمات برية غرب تعز. كما أوردت تقارير وصول تعزيزات وتنسيقا بين تشكيلات حكومية، ثم اتساع التحركات إلى جبهات أخرى وظهور إسناد جوي. ولذلك فإن موضع النقد هو كفاية الاستجابة وتوقيتها واستمراريتها، وليس الادعاء بغيابها المطلق.
وبحسب التقرير، تنبع الأهمية الاستراتيجية لهذه الجولة من انتقال أثر المعركة بين ثلاث دوائر متصلة: حماية السكان في غرب تعز، واستمرار الاتصال بالمخا، وأمن المجال الساحلي. فتدهور الوضع في الدائرة الأولى يزيد الأعباء في الثانية، وقد يضعف قدرة القوات الحكومية على تثبيت الأمن في الثالثة. ولا تكفي السيطرة على مدينة ساحلية لضمان أمنها عندما يبقى عمقها البري وطرق الوصول إليها معرضين للضغط.
وفي الاتجاه المقابل، يمكن أن يوفر تأمين غرب تعز مجالا أفضل لحركة الموارد والخدمات، ويقلل حاجة قوات الساحل إلى معالجة تهديدات متكررة في محيطها. ومن هنا، فإن دعم جبهات المحافظة يتجاوز التضامن مع قوة محلية؛ فهو استثمار في قدرة الحكومة على حماية أراضيها ومرافقها واتصال مناطقها بعضها ببعض.
لا يعني ذلك أن الكدحة تمثل طريقا مفتوحا إلى باب المندب. فتهديد المخا يختلف عن الوصول إلى المضيق، والوصول يختلف عن الاحتفاظ بالأرض وتأمين الإمداد والسيطرة المستدامة. ويقدر المركز أن المكسب الحوثي الأقرب هو توسيع القدرة على التعطيل والضغط على الساحل، مع إبقاء خيارات التقدم اللاحق مفتوحة إذا سمحت ظروف خصومه. أما احتلال المضيق بوصفه هدفا عملياتيا وشيكا، فتظل الأدلة عليه غير كافية.
لفهم قيود الاستجابة الحكومية، ينبغي وضعها ضمن المسار الذي تشكل منذ 2015. فقد أسهم تعدد القوى المحلية وقنوات دعمها في جعل التنافس على المناطق الخاضعة للحكومة جزءا من الصراع نفسه. ووثقت دراسات عن تعز نزاعات بين أطراف يفترض أنها تعمل ضمن معسكر واحد، بما أضعف الثقة اللازمة للتعاون في مواجهة الحوثيين.
بالنسبة إلى جماعة الحوثيين، يتيح التصعيد تحسين المواقع وتهديد الحركة واستنزاف القوات المقابلة. والأهم أنه يختبر سرعة انتقال الدعم بين خصومها. فكل خلاف على الجهة التي تقود المواجهة أو تستفيد من السلاح يمنحها وقتا وفرصة. ومن ثم، فإن عائد الهجوم لا يقاس بالأرض وحدها، بل بما يكشفه ويعمقه من تباعد داخل المعسكر الحكومي.
أما مجلس القيادة والحكومة، فيواجهان مشكلة تتعلق بملكية القرار. فالمسؤولية السياسية عن حماية السكان تقع عليهما، بينما قد تظل أجزاء من القدرة العسكرية مرتبطة بترتيبات تمويل وقيادة لا تتحكمان فيها بالكامل. ويصبح الاختبار الفعلي هو القدرة على إلزام مختلف التشكيلات بأولويات مشتركة، وتخصيص الموارد ومراجعة الأداء، وليس الاكتفاء بتبني نتائج العمليات في الخطاب الرسمي.
ويمثل محور تعز طرفا يحتاج إلى التمكين والمساءلة معا. فمحدودية الدعم لا تلغي مسؤوليته عن الجاهزية والتخطيط والانضباط وإدارة المتاح. وفي المقابل، لا يجوز استخدام النفوذ الحزبي داخل المؤسسة العسكرية مبررا لتقييد حماية المحافظة. وتعز، بتنوعها الاجتماعي والسياسي، أوسع من الإصلاح أو غيره؛ ومعالجة الاختلالات داخل الجيش تكون بإخضاعه لمعايير الدولة، لا بإبقاء قدرته دون احتياجات الدفاع.
يمتلك طارق صالح مصلحة مباشرة في صد التهديد عن المخا، ويمكن أن تزداد قيمته السياسية لدى الداعمين الإقليميين والدوليين كلما ارتفعت أهمية حماية الساحل. وقد أوضح في مقابلة منشورة عام 2021 أن إنشاء المكتب السياسي للمقاومة الوطنية يرتبط بالحاجة إلى تمثيل سياسي في المفاوضات. وهذا يثبت تداخل الحضور العسكري والطموح السياسي، مع إمكانية إضعاف الجبهات المجاورة.
والمعيار الحاسم لتقييم دوره هو أثر موارده وتحركاته على الدفاع المشترك: هل توسع قدرة مختلف القطاعات على الصمود، أم تزيد اعتمادها على مركز قوة واحد؟ ومن منظور المصلحة طويلة الأجل، فإن تمكين شركاء منضبطين داخل مؤسسات الدولة يوفر للساحل حماية أكثر استدامة من إبقاء العمق المجاور ضعيفا.
وتطرح الإفادات الخاصة للباحث، بشأن تركيز تعزيزات في الجراحي والساحل مقابل إمكانات أقل في الكدحة ومفرق الوازعية فرضية انتقائية الدعم. لكن اختبارها يتطلب مقارنة الحاجة والقدرة، لا الأعداد والمسافات وحدها. فقد يخدم التحرك في الجراحي دفاع تعز إذا شتت قوات الحوثيين وخفف ضغطهم، وقد تعكس بعض الفوارق اختلاف الأرض وسهولة الإمداد والجاهزية.
وعليه، تتنافس ثلاثة تفسيرات للتفاوت، يرده التفسير العسكري إلى اختلاف التهديد ومتطلبات الانتشار؛ ويربطه التفسير المؤسسي بتعدد القيادة وضعف التخطيط؛ فيما يربطه التفسير السياسي بتفضيل تمكين بعض القوى وتقييد أخرى. ويرجح المركز تداخل التفسيرين المؤسسي والسياسي، مع بقاء العوامل العسكرية مؤثرة. وتتراجع هذه القراءة إذا أظهرت السجلات أن الموارد وزعت وفق احتياجات موثقة وأن التحركات المتزامنة خففت الضغط فعليا. وتقوى إذا ثبت تأخير طلبات ملحة رغم توافر الإمكانات، أو ربط الاستجابة بتغيير الولاء والقيادة.
تترتب على ذلك نتيجة سياسية أساسية: أصبحت استعادة سلطة الدولة في تعز ضرورة استراتيجية تتجاوز المكاسب الحزبية المحتملة من تحقيقها.
فبقاء الجبهة هشة يفرض كلفة على الحكومة والساحل والمدنيين، فيما يترك للحوثيين حرية اختيار توقيت الضغط، ولا يقتضي تصحيح هذا الوضع تجاهل المخاوف من احتكار السلاح محليا، بل معالجة هذه المخاوف ببناء مؤسسة خاضعة للمساءلة.
في الأفق القريب، يتمثل المسار الأرجح في احتواء نسبي للهجوم مع استمرار الانقسام. تتلقى الجبهات إسنادا إضافيا وتتحسن بعض المواقع، ثم يتراجع التنسيق بانحسار الطوارئ. ويستند ترجيحه إلى وجود استجابة مشتركة معلنة، دون دليل كاف على تحول مستدام في ترتيبات القيادة والتمويل. ومؤشره الأوضح هو تحسن ميداني لا ترافقه التزامات مؤسسية قابلة للقياس.
ويتمثل المسار الأخطر في تثبيت الحوثيين مكاسب تعطل الاتصال وتوسع النزوح والاستنزاف. وتزداد احتمالاته إذا ظلت استعادة الحركة متعثرة، وتأخر الإسناد، واستمر التنازع على المسؤولية. وقد يقترن ذلك بإعادة توزيع النفوذ داخل المعسكر الحكومي تحت ضغط الحاجة إلى الإنقاذ؛ غير أن هذا التوزيع قد يحدث أيضا مع احتواء الهجوم، ولذلك لا يمثل بمفرده دليلا على نجاح حوثي.
أما المسار البديل فهو تحويل الأزمة إلى ترتيب دفاع وطني مستدام، يحدد الصلاحيات والموارد والمسؤولية عن النتائج. وتظهر جديته عندما يستمر الإسناد المتبادل بعد تراجع الخطر، وتخضع مختلف القيادات للمراجعة نفسها، وتصبح سلامة السكان والطرق معيارا للأداء. ويتطلب هذا المسار اتفاقا سياسيا يحد من إدارة الوحدات باعتبارها أدوات تنافس، ولا تكفي لتحقيقه غرفة تنسيق مؤقتة.
أمام الحكومة خيار احتواء عاجل ضمن الترتيبات القائمة، وهو الأسرع لكنه يبقي أسباب الأزمة؛ وخيار توسيع العمليات قبل إصلاح القيادة والموارد، وهو أعلى مخاطرة من حيث الاستنزاف والتصعيد وحماية المدنيين؛ وخيار مرحلي يجمع تثبيت الدفاع مع إصلاح القرار وتحديد مسار لاستعادة سلطة الدولة. ويوصي المركز بالخيار الثالث، لأنه يعالج الحاجة المباشرة دون فصلها عن الشروط اللازمة لمنع تكرار الاختراق.
خلال الأسبوع الأول، ينبغي أن يقر مجلس القيادة أولوية أمن تعز واتصالها بالساحل، ويكلف الجهات المختصة بخطة احتياجات عاجلة وحماية مدنية، مع تحديد مسؤول عن التنفيذ وآلية مراجعة. وينبغي أن تقاس الاستجابة بوصول الموارد وقدرتها على معالجة العجز، لا بحجم الإعلانات.
وخلال أسبوعين، ينبغي إجراء مراجعة مهنية لطلبات الإسناد والجاهزية وتسلسل القرارات، ترفع نتائجها إلى السلطة المختصة وتنشر خلاصة غير عملياتية. ويجب أن تشمل المراجعة أداء القيادات المحلية وقنوات الدعم، كي تحدد المسؤولية دون تحويلها إلى تسوية حسابات بين الأطراف.
وخلال ثلاثين يوما، تحتاج الحكومة إلى اتفاق مع الداعمين على ربط المساعدات بخطة وطنية ومعايير احتياج ومساءلة، مع إدماج السلطة المحلية في تقدير أثر المعركة على الخدمات والنزوح. ويجب أن تقترن زيادة الدعم بالتزامات مهنية واضحة من القيادات المستفيدة، بما يقلل مخاوف إساءة استخدامه ويمنع توظيفها ذريعة لحجبه.












