> د. سعيد شرياف:
في المقال السابق، توقفنا عند سؤال أساسي في بناء الدولة: من يختار الأشخاص الذين سيحملون مسؤولية المؤسسات؟ وكيف نضمن أن تكون الكفاءة والنزاهة والمهنية هي أساس الاختيار؟
لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر صعوبة:
كيف نبني جنوبًا يتسع للجميع؟
فحتى لو نجحنا في اختيار أفضل الكفاءات، ووضعنا أفضل القوانين، وبنينا مؤسسات حديثة، فإن الدولة لن تستقر إذا ظل المجتمع يحمل جراح الماضي، أو إذا ظل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصمًا ينتظر الفرصة للانقضاض عليه.
الدولة لا تُبنى بالمؤسسات وحدها.
إنها تحتاج أيضًا إلى الثقة.
والثقة لا تولد من الخطابات، وإنما من العدالة والاعتراف والمصالحة، ومن الشعور بأن الدولة القادمة ستكون دولة الجميع، وليست دولة من امتلك القوة في لحظة معينة.
ولهذا فإن الحديث عن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يقتصر على شكل الدولة، أو توزيع السلطة والثروة، أو بناء المؤسسات.
هناك سؤال يجب أن يسبق كل ذلك:
كيف نتعامل مع ماضي الجنوب؟
لا يمكن أن نبني المستقبل ونحن أسرى للماضي
عاش الجنوب خلال عقود طويلة تجارب سياسية وصراعات تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الجمعية.
هناك ضحايا ومظالم، وأسر فقدت أبناءها، وأشخاص فقدوا وظائفهم وممتلكاتهم ومكانتهم، ومناطق ومكونات شعرت في مراحل مختلفة بالتهميش أو الإقصاء.
وبعض هذه الجراح ارتبط بالصراع مع السلطة في صنعاء، وبعضها الآخر كان نتيجة صراعات جنوبية داخلية.
وهذه حقيقة لا ينبغي أن نخشى الاعتراف بها.
فالاعتراف بالماضي لا يضعف القضية الجنوبية، بل ربما يكون أحد شروط قوتها الأخلاقية والسياسية.
المشكلة تبدأ عندما نحاول بناء المستقبل من خلال إنكار الماضي، أو عندما نعتقد أن الحديث عن المظالم القديمة سيؤدي حتمًا إلى فتح جراح لا ينبغي الاقتراب منها.
فالجراح التي لا نعالجها لا تختفي، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل، وقد تتحول مع مرور الوقت من قضية حقوقية إلى ذاكرة سياسية، ثم إلى خصومة اجتماعية، ثم إلى صراع جديد.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل نتحدث عن الماضي أم ننساه؟
بل: كيف نتعامل مع الماضي بطريقة تمنع تكراره؟
العدالة الانتقالية: عدالة لا انتقام
هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية.
فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام من مرحلة سابقة، ولا تحميل جماعة بأكملها مسؤولية ما ارتكبه أفراد، ولا فتح أبواب الثأر السياسي تحت عنوان العدالة.
إنها محاولة للانتقال من مجتمع مثقل بالمظالم والانقسامات إلى مجتمع يستطيع أن يعيش وفق قواعد جديدة.
وهي تقوم على مبدأ أساسي:
لا يمكن أن تكون المصالحة الحقيقية بديلًا عن العدالة، كما لا يمكن أن تكون العدالة ذريعة للانتقام.
نحتاج إلى معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر حيثما أمكن، ومساءلة من ارتكب الجرائم والانتهاكات وفق القانون.
لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى أن ندرك أن الهدف النهائي ليس صناعة ضحايا جدد، وإنما بناء مجتمع لا يحتاج بعد ذلك إلى الثأر.
التسامح والغفران: الوجه الإنساني للعدالة
لكن العدالة الانتقالية وحدها لا تكفي لبناء السلام الاجتماعي.
فهناك جانب إنساني لا يقل أهمية: التسامح والغفران.
والتسامح هنا لا يعني نسيان المظالم، ولا مطالبة الضحية بالتخلي عن حقه، ولا إعفاء من ارتكب الجرائم من المسؤولية القانونية.
إنه يعني أن ندرك أن المجتمع لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد أسيرًا للكراهية والثأر.
فإذا كانت العدالة تنصف الضحية، فإن التسامح يساعد المجتمع على تجاوز آثار الجريمة. وإذا كانت الحقيقة تفتح الطريق أمام المصالحة، فإن الغفران يمكن أن يغلق أبواب الانتقام.
وهذه ليست مجرد أفكار مثالية.
فقد قدمت تجارب دول خرجت من صراعات وانقسامات عميقة دروسًا مهمة في هذا المجال. وتبقى تجربة جنوب أفريقيا واحدة من أبرز التجارب التي أظهرت أن الانتقال من الصراع إلى بناء دولة مشتركة يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير سياسي؛ يحتاج إلى مواجهة الماضي، وكشف الحقيقة، والاستماع إلى الضحايا، وفتح الطريق أمام المصالحة، وتشجيع ثقافة التسامح بدل الانتقام.
ولم تكن تجربة جنوب أفريقيا مثالية، ولم تحل جميع المشكلات، كما لا يمكن نقلها حرفيًا إلى الجنوب، فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه.
لكن الدرس الذي يمكن الاستفادة منه هو أن المجتمعات التي تريد أن تبدأ مرحلة جديدة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الماضي، وشجاعة أكبر في ألا تجعل المستقبل امتدادًا للثأر.
وهنا يجب أن نفهم الفرق بين التسامح والعدالة:
التسامح ليس محوًا للذاكرة، والغفران ليس إلغاءً للحقوق.
بل يمكن أن يكون التسامح قرارًا أخلاقيًا وسياسيًا بألا نسمح للماضي بأن يحكم مستقبل أبنائنا.
الحقيقة أولًا
لا يمكن أن تكون هناك مصالحة حقيقية إذا لم نعترف بأن هناك جراحًا ومظالم.
فالقول للناس: «انسوا الماضي وابدأوا من جديد» قد يبدو جميلًا، لكنه لا يكفي.
من فقد قريبًا، أو تعرض للظلم، أو حُرم من حقه، أو عاش سنوات وهو يشعر بأن الدولة لم تنصفه، لا يمكن أن نطلب منه أن ينسى بقرار سياسي.
المصالحة تبدأ عندما يشعر الضحية بأن ألمه لم يُنكر.
ولهذا فإن الحقيقة جزء أساسي من المصالحة.
ليس المطلوب أن نكتب تاريخًا جديدًا ينتصر فيه طرف ويُهزم آخر، وإنما أن نمتلك شجاعة النظر إلى التاريخ كما حدث، بكل ما فيه من نجاحات وأخطاء ومظالم وتضحيات.
فالدولة التي تخشى الحقيقة ستظل تخشى الماضي، أما الدولة الواثقة من نفسها فتستطيع أن تواجه تاريخها دون خوف.
لا مسؤولية جماعية
ومن أهم المبادئ التي يجب أن تحكم أي مسار للعدالة الانتقالية:
لا توجد مسؤولية جماعية.
لا يجوز أن يصبح الانتماء إلى منطقة، أو قبيلة، أو تيار سياسي، أو مؤسسة، سببًا في العقاب.
المسؤولية شخصية.
ومن ارتكب انتهاكًا يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون، أما من لم يرتكب شيئًا فلا ينبغي أن يعاقب بسبب انتمائه.
وهذه قاعدة مهمة في مجتمع متعدد المناطق والتجارب.
فإذا تحول التعامل مع الماضي إلى تصفية جماعية، فسوف ننتقل من مظالم قديمة إلى مظالم جديدة، وعندها لن نكون قد بنينا دولة جديدة، بل أعدنا إنتاج الماضي بأسماء مختلفة.
ماذا عن الكفاءات التي عملت في المراحل السابقة؟
وهنا نعود إلى الفكرة التي تناولناها في المقال السابق.
إذا أردنا بناء دولة قادرة على العمل، فلا يمكن أن نتعامل مع كل من عمل في مؤسسات الدولة سابقًا باعتباره جزءًا من المشكلة.
هناك فرق بين النظام السياسي والدولة، كما أن هناك فرقًا بين من ارتكب جريمة أو فسادًا أو انتهاكًا، وبين موظف أو طبيب أو مهندس أو قاضٍ أو أكاديمي أو إداري أدى عمله في مرحلة سابقة.
الدولة العاقلة لا تهدر خبراتها البشرية لمجرد أن أصحابها عملوا في ظل نظام سابق.
المعيار يجب أن يكون واضحًا: الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على احترام القانون والعمل داخل مؤسسات الدولة.
أما من تثبت مسؤوليته عن جرائم أو فساد أو انتهاكات، فهذه قضية تعالجها العدالة وفق قواعد واضحة.
وبذلك نحافظ على الخبرة، ونحقق العدالة، ونمنع في الوقت نفسه تحول الدولة الجديدة إلى دولة إقصاء.
المصالحة ليست نسيانًا هناك سوء فهم آخر يجب أن نتجاوزه.
المصالحة لا تعني أن نتفق جميعًا على أن ما حدث في الماضي كان صحيحًا، ولا أن نطلب من الضحايا التخلي عن حقوقهم، ولا أن نتوقف عن مساءلة من يستحق المساءلة.
المصالحة تعني أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها القانون هو الوسيلة لمعالجة الخلاف، بدل أن يكون السلاح والثأر والانتقام هي الوسائل.
المصالحة الحقيقية هي أن نستطيع أن نختلف دون أن نقتل بعضنا، وأن نتنافس سياسيًا دون أن نقصي بعضنا، وأن نختلف حول شكل الدولة دون أن يتحول الخلاف إلى صراع على وجود الآخرين.
وهذا هو جوهر بناء الدولة.
كيف نبني جنوبًا يتسع للجميع؟
هذا السؤال يجب أن يكون حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل الجنوب.
فالجنوب ليس لونًا سياسيًا واحدًا، ولا تجربة تاريخية واحدة، ولا منطقة واحدة، ولا تيارًا سياسيًا واحدًا.
في الجنوب تجارب متعددة، وذاكرات مختلفة، ومناطق لها خصوصياتها، وأجيال نشأت في ظروف سياسية متباينة.
وهذا التنوع ليس بالضرورة مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويل التنوع إلى صراع.
الوحدة الوطنية الجنوبية لا تعني أن يصبح الجنوبيون نسخة واحدة من بعضهم.
بل تعني أن يشعر المختلفون بأنهم ينتمون إلى وطن واحد، وأن اختلافهم لا يهدد حقوقهم، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
فجنوب يتسع للجميع لا يعني جنوبًا بلا خلافات، بل جنوبًا يعرف كيف يدير خلافاته.
الوحدة الوطنية ليست شعارًا
كثيرًا ما نتحدث عن الوحدة الوطنية باعتبارها شعارًا سياسيًا، لكن الوحدة الحقيقية أكبر من الشعارات.
إنها شعور بالانتماء، وثقة بالمستقبل، وقناعة بأن الدولة لا تُستخدم ضد منطقة أو جماعة، وأن الثروة ليست امتيازًا لمن يملك القوة، وأن السلطة ليست غنيمة لمن يصل إليها.
إذا كان المواطن في أي محافظة أو منطقة يشعر بأن مستقبله مرتبط بالدولة الجديدة، وأن حقوقه مصونة فيها، وأن صوته مسموع، وأن موارده تدار بعدالة، فإن الوحدة الوطنية تصبح حقيقة.
أما إذا شعر بأن الدولة الجديدة ستعيد إنتاج مركزية قديمة، أو أن السلطة ستنتقل من طرف إلى طرف، فإن الشعارات وحدها لن تبني وحدة.
ولهذا فإن: الوحدة الوطنية الجنوبية تبدأ من العدالة.
التوافق الوطني لا يعني الاتفاق على كل شيء
قد يقول قائل: كيف يمكن أن نتحدث عن التوافق في مجتمع يحمل كل هذه الاختلافات؟
والجواب أن التوافق لا يعني أن نتفق على كل شيء.
لا توجد دولة ديمقراطية يتفق مواطنوها على كل القضايا.
التوافق يعني أن نتفق على القواعد التي تسمح لنا بالاختلاف.
أن نتفق على أن الانتخابات والقانون والقضاء والمؤسسات هي وسائل إدارة الخلاف.
أن نتفق على أن تغيير الحكومة لا يعني إسقاط الدولة، وأن خسارة حزب أو تيار للانتخابات لا تعني خسارة الوطن، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن النقد ليس عداءً للدولة، وأن المطالبة بحقوق منطقة لا تعني بالضرورة العداء للمناطق الأخرى.
هذه هي الثقافة التي تحتاجها الدولة الجديدة.
الخطر ليس في اختلاف الجنوبيين
الخطر الحقيقي ليس أن يختلف الجنوبيون.
فالاختلاف طبيعي.
الخطر أن نعتقد أن هناك طرفًا واحدًا يمتلك الحقيقة الكاملة، وأن بقية الأطراف لا حق لها إلا أن تلحق به.
هذه العقلية قد تنجح في إدارة مرحلة صراع، لكنها لا تصلح لبناء دولة.
في الصراع تحتاج إلى التعبئة، أما في الدولة فتحتاج إلى التعدد.
في الصراع تبحث عمن يقف معك، أما في الدولة فعليك أن تبني مؤسسة تعمل حتى مع من يختلف معك.
ولهذا فإن الانتقال من مرحلة النضال إلى مرحلة الدولة يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير نفسها.
من شرعية النضال إلى شرعية الدولة
قد تكون هناك شرعية تاريخية لنضال طويل، وتضحيات لا يمكن إنكارها.
لكن شرعية النضال شيء، وشرعية إدارة الدولة شيء آخر.
من ضحى من أجل قضية وطنية يستحق التقدير، لكن ذلك لا يعني أن التضحيات تمنح أصحابها حق امتلاك الدولة إلى الأبد.
الدولة لا يمكن أن تكون مكافأة لأحد، ولا أن تصبح ملكية خاصة لمن حمل السلاح أو قاد النضال أو وصل إلى السلطة.
الدولة ملك للمواطنين.
ومن هنا فإن نجاح المشروع الجنوبي لن يقاس فقط بقدرته على تحقيق هدفه السياسي، وإنما بقدرته على الانتقال من شرعية النضال إلى شرعية المؤسسات.
وهنا تلتقي هذه الفكرة مع ما قلناه في المقال السابق:
المسؤول يأتي ويذهب، أما المؤسسة فتبقى.
وكذلك القيادات تأتي وتذهب، أما الوطن فيبقى.
لا منتصر دائم ولا مهزوم دائم
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها المجتمعات الخارجة من الصراعات أن تبني مستقبلها على قاعدة المنتصر والمهزوم.
فالمنتصر اليوم قد يصبح مهزومًا غدًا.
أما الدولة، فلا ينبغي أن تكون ساحة يتبادل فيها المواطنون الأدوار بين منتصر ومهزوم.
الدولة الناجحة هي التي تجعل الجميع رابحين من الاستقرار.
ولهذا فإن المصالحة ليست تنازلًا عن المشروع الجنوبي، بل يمكن أن تكون أحد شروط نجاحه.
فالمشروع الذي يريد بناء دولة لا يستطيع أن يبدأ بإقصاء جزء من المجتمع، والمشروع الذي يريد دولة مستقرة لا يستطيع أن يحمل معه كل صراعات الماضي إلى المستقبل.
الجنوب الذي نريده
ربما يكون علينا أن نطرح السؤال بطريقة مختلفة.
ليس فقط: كيف نستعيد الدولة؟
بل: أي دولة نريد أن نستعيد؟
هل نريد دولة تنتقم من الماضي، أم دولة تتعلم منه؟
هل نريد دولة يهيمن فيها طرف على طرف، أم دولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء؟
هل نريد دولة تعتمد على الأشخاص، أم دولة تعتمد على المؤسسات؟
هل نريد أن نعيد إنتاج الصراعات القديمة، أم نريد أن نمنح أبناء الجنوب فرصة لفتح صفحة جديدة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا.
إنها جزء من معركة بناء الدولة نفسها.
عدالة للماضي، وتسامح للمستقبل
نحتاج إلى عدالة تعترف بالمظالم.
ونحتاج إلى مصالحة تمنع الانتقام.
ونحتاج إلى تسامح يحرر المجتمع من أسر الكراهية.
ونحتاج إلى مؤسسات تضمن عدم تكرار الانتهاكات.
ونحتاج إلى وحدة وطنية تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية.
ونحتاج إلى توافق سياسي يجعل الخلاف وسيلة للتنافس، لا ذريعة للصراع.
هذه ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة.
فإذا عالجنا الماضي دون أن نبني مؤسسات قوية، ستعود المظالم.
وإذا بنينا المؤسسات دون معالجة المظالم، ستظل الذاكرة حاضرة.
وإذا تحدثنا عن الوحدة الوطنية دون عدالة، ستبقى الوحدة شعارًا.
وإذا تحدثنا عن العدالة دون مصالحة، فقد يتحول الماضي إلى وقود لصراع جديد.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي هو أن نجمع بين الأمرين:
عدالة تنصف الماضي، وتسامح يحرر المستقبل، ومصالحة تجعل الوطن أوسع من جراحه.
والسؤال الذي ينتظرنا
إذا استطعنا أن نتفق على أن الجنوب يجب أن يتسع للجميع، وأن الدولة يجب أن تكون فوق الأشخاص والمناطق والتيارات، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن المصالحة لا تعني نسيان الحقوق، فإننا نكون قد قطعنا خطوة مهمة نحو بناء الدولة.
لكن يبقى سؤال أكبر:
كيف نترجم هذا التوافق الوطني إلى نظام سياسي ودستوري يضمن لكل منطقة ومواطن نصيبه العادل من السلطة والثروة والصلاحيات؟
من يملك القرار؟
وأين يجب أن تتركز السلطة؟
وما الذي ينبغي أن يكون من اختصاص الدولة المركزية؟
وما الذي ينبغي أن ينتقل إلى المحافظات أو الأقاليم أو السلطات المحلية؟
وكيف نضمن ألا تتحول المركزية إلى هيمنة، ولا تتحول اللامركزية إلى تفكك؟
وكيف نوزع الثروة بحيث يشعر المواطن أن موارد وطنه تعود عليه، وأن الدولة تعمل لمصلحته؟
ربما يكون هذا هو السؤال التالي في رحلتنا:
كيف نبني دولة جنوبية قوية، وفي الوقت نفسه قريبة من المواطن، عادلة في توزيع السلطة والثروة، وقادرة على استيعاب تنوع الجنوب؟
فإذا كان الانتصار هو أن نصل إلى الدولة، فإن النجاح الحقيقي هو أن نبني دولة لا يشعر فيها أحد أنه غريب عنها.
جنوب يتسع للجميع… ودولة تكون للجميع .
لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر صعوبة:
كيف نبني جنوبًا يتسع للجميع؟
فحتى لو نجحنا في اختيار أفضل الكفاءات، ووضعنا أفضل القوانين، وبنينا مؤسسات حديثة، فإن الدولة لن تستقر إذا ظل المجتمع يحمل جراح الماضي، أو إذا ظل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصمًا ينتظر الفرصة للانقضاض عليه.
الدولة لا تُبنى بالمؤسسات وحدها.
إنها تحتاج أيضًا إلى الثقة.
والثقة لا تولد من الخطابات، وإنما من العدالة والاعتراف والمصالحة، ومن الشعور بأن الدولة القادمة ستكون دولة الجميع، وليست دولة من امتلك القوة في لحظة معينة.
ولهذا فإن الحديث عن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يقتصر على شكل الدولة، أو توزيع السلطة والثروة، أو بناء المؤسسات.
هناك سؤال يجب أن يسبق كل ذلك:
كيف نتعامل مع ماضي الجنوب؟
لا يمكن أن نبني المستقبل ونحن أسرى للماضي
عاش الجنوب خلال عقود طويلة تجارب سياسية وصراعات تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الجمعية.
هناك ضحايا ومظالم، وأسر فقدت أبناءها، وأشخاص فقدوا وظائفهم وممتلكاتهم ومكانتهم، ومناطق ومكونات شعرت في مراحل مختلفة بالتهميش أو الإقصاء.
وبعض هذه الجراح ارتبط بالصراع مع السلطة في صنعاء، وبعضها الآخر كان نتيجة صراعات جنوبية داخلية.
وهذه حقيقة لا ينبغي أن نخشى الاعتراف بها.
فالاعتراف بالماضي لا يضعف القضية الجنوبية، بل ربما يكون أحد شروط قوتها الأخلاقية والسياسية.
المشكلة تبدأ عندما نحاول بناء المستقبل من خلال إنكار الماضي، أو عندما نعتقد أن الحديث عن المظالم القديمة سيؤدي حتمًا إلى فتح جراح لا ينبغي الاقتراب منها.
فالجراح التي لا نعالجها لا تختفي، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل، وقد تتحول مع مرور الوقت من قضية حقوقية إلى ذاكرة سياسية، ثم إلى خصومة اجتماعية، ثم إلى صراع جديد.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل نتحدث عن الماضي أم ننساه؟
بل: كيف نتعامل مع الماضي بطريقة تمنع تكراره؟
العدالة الانتقالية: عدالة لا انتقام
هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية.
فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام من مرحلة سابقة، ولا تحميل جماعة بأكملها مسؤولية ما ارتكبه أفراد، ولا فتح أبواب الثأر السياسي تحت عنوان العدالة.
إنها محاولة للانتقال من مجتمع مثقل بالمظالم والانقسامات إلى مجتمع يستطيع أن يعيش وفق قواعد جديدة.
وهي تقوم على مبدأ أساسي:
لا يمكن أن تكون المصالحة الحقيقية بديلًا عن العدالة، كما لا يمكن أن تكون العدالة ذريعة للانتقام.
نحتاج إلى معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر حيثما أمكن، ومساءلة من ارتكب الجرائم والانتهاكات وفق القانون.
لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى أن ندرك أن الهدف النهائي ليس صناعة ضحايا جدد، وإنما بناء مجتمع لا يحتاج بعد ذلك إلى الثأر.
التسامح والغفران: الوجه الإنساني للعدالة
لكن العدالة الانتقالية وحدها لا تكفي لبناء السلام الاجتماعي.
فهناك جانب إنساني لا يقل أهمية: التسامح والغفران.
والتسامح هنا لا يعني نسيان المظالم، ولا مطالبة الضحية بالتخلي عن حقه، ولا إعفاء من ارتكب الجرائم من المسؤولية القانونية.
إنه يعني أن ندرك أن المجتمع لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد أسيرًا للكراهية والثأر.
فإذا كانت العدالة تنصف الضحية، فإن التسامح يساعد المجتمع على تجاوز آثار الجريمة. وإذا كانت الحقيقة تفتح الطريق أمام المصالحة، فإن الغفران يمكن أن يغلق أبواب الانتقام.
وهذه ليست مجرد أفكار مثالية.
فقد قدمت تجارب دول خرجت من صراعات وانقسامات عميقة دروسًا مهمة في هذا المجال. وتبقى تجربة جنوب أفريقيا واحدة من أبرز التجارب التي أظهرت أن الانتقال من الصراع إلى بناء دولة مشتركة يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير سياسي؛ يحتاج إلى مواجهة الماضي، وكشف الحقيقة، والاستماع إلى الضحايا، وفتح الطريق أمام المصالحة، وتشجيع ثقافة التسامح بدل الانتقام.
ولم تكن تجربة جنوب أفريقيا مثالية، ولم تحل جميع المشكلات، كما لا يمكن نقلها حرفيًا إلى الجنوب، فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه.
لكن الدرس الذي يمكن الاستفادة منه هو أن المجتمعات التي تريد أن تبدأ مرحلة جديدة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الماضي، وشجاعة أكبر في ألا تجعل المستقبل امتدادًا للثأر.
وهنا يجب أن نفهم الفرق بين التسامح والعدالة:
التسامح ليس محوًا للذاكرة، والغفران ليس إلغاءً للحقوق.
بل يمكن أن يكون التسامح قرارًا أخلاقيًا وسياسيًا بألا نسمح للماضي بأن يحكم مستقبل أبنائنا.
الحقيقة أولًا
لا يمكن أن تكون هناك مصالحة حقيقية إذا لم نعترف بأن هناك جراحًا ومظالم.
فالقول للناس: «انسوا الماضي وابدأوا من جديد» قد يبدو جميلًا، لكنه لا يكفي.
من فقد قريبًا، أو تعرض للظلم، أو حُرم من حقه، أو عاش سنوات وهو يشعر بأن الدولة لم تنصفه، لا يمكن أن نطلب منه أن ينسى بقرار سياسي.
المصالحة تبدأ عندما يشعر الضحية بأن ألمه لم يُنكر.
ولهذا فإن الحقيقة جزء أساسي من المصالحة.
ليس المطلوب أن نكتب تاريخًا جديدًا ينتصر فيه طرف ويُهزم آخر، وإنما أن نمتلك شجاعة النظر إلى التاريخ كما حدث، بكل ما فيه من نجاحات وأخطاء ومظالم وتضحيات.
فالدولة التي تخشى الحقيقة ستظل تخشى الماضي، أما الدولة الواثقة من نفسها فتستطيع أن تواجه تاريخها دون خوف.
لا مسؤولية جماعية
ومن أهم المبادئ التي يجب أن تحكم أي مسار للعدالة الانتقالية:
لا توجد مسؤولية جماعية.
لا يجوز أن يصبح الانتماء إلى منطقة، أو قبيلة، أو تيار سياسي، أو مؤسسة، سببًا في العقاب.
المسؤولية شخصية.
ومن ارتكب انتهاكًا يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون، أما من لم يرتكب شيئًا فلا ينبغي أن يعاقب بسبب انتمائه.
وهذه قاعدة مهمة في مجتمع متعدد المناطق والتجارب.
فإذا تحول التعامل مع الماضي إلى تصفية جماعية، فسوف ننتقل من مظالم قديمة إلى مظالم جديدة، وعندها لن نكون قد بنينا دولة جديدة، بل أعدنا إنتاج الماضي بأسماء مختلفة.
ماذا عن الكفاءات التي عملت في المراحل السابقة؟
وهنا نعود إلى الفكرة التي تناولناها في المقال السابق.
إذا أردنا بناء دولة قادرة على العمل، فلا يمكن أن نتعامل مع كل من عمل في مؤسسات الدولة سابقًا باعتباره جزءًا من المشكلة.
هناك فرق بين النظام السياسي والدولة، كما أن هناك فرقًا بين من ارتكب جريمة أو فسادًا أو انتهاكًا، وبين موظف أو طبيب أو مهندس أو قاضٍ أو أكاديمي أو إداري أدى عمله في مرحلة سابقة.
الدولة العاقلة لا تهدر خبراتها البشرية لمجرد أن أصحابها عملوا في ظل نظام سابق.
المعيار يجب أن يكون واضحًا: الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على احترام القانون والعمل داخل مؤسسات الدولة.
أما من تثبت مسؤوليته عن جرائم أو فساد أو انتهاكات، فهذه قضية تعالجها العدالة وفق قواعد واضحة.
وبذلك نحافظ على الخبرة، ونحقق العدالة، ونمنع في الوقت نفسه تحول الدولة الجديدة إلى دولة إقصاء.
المصالحة ليست نسيانًا هناك سوء فهم آخر يجب أن نتجاوزه.
المصالحة لا تعني أن نتفق جميعًا على أن ما حدث في الماضي كان صحيحًا، ولا أن نطلب من الضحايا التخلي عن حقوقهم، ولا أن نتوقف عن مساءلة من يستحق المساءلة.
المصالحة تعني أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها القانون هو الوسيلة لمعالجة الخلاف، بدل أن يكون السلاح والثأر والانتقام هي الوسائل.
المصالحة الحقيقية هي أن نستطيع أن نختلف دون أن نقتل بعضنا، وأن نتنافس سياسيًا دون أن نقصي بعضنا، وأن نختلف حول شكل الدولة دون أن يتحول الخلاف إلى صراع على وجود الآخرين.
وهذا هو جوهر بناء الدولة.
كيف نبني جنوبًا يتسع للجميع؟
هذا السؤال يجب أن يكون حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل الجنوب.
فالجنوب ليس لونًا سياسيًا واحدًا، ولا تجربة تاريخية واحدة، ولا منطقة واحدة، ولا تيارًا سياسيًا واحدًا.
في الجنوب تجارب متعددة، وذاكرات مختلفة، ومناطق لها خصوصياتها، وأجيال نشأت في ظروف سياسية متباينة.
وهذا التنوع ليس بالضرورة مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويل التنوع إلى صراع.
الوحدة الوطنية الجنوبية لا تعني أن يصبح الجنوبيون نسخة واحدة من بعضهم.
بل تعني أن يشعر المختلفون بأنهم ينتمون إلى وطن واحد، وأن اختلافهم لا يهدد حقوقهم، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
فجنوب يتسع للجميع لا يعني جنوبًا بلا خلافات، بل جنوبًا يعرف كيف يدير خلافاته.
الوحدة الوطنية ليست شعارًا
كثيرًا ما نتحدث عن الوحدة الوطنية باعتبارها شعارًا سياسيًا، لكن الوحدة الحقيقية أكبر من الشعارات.
إنها شعور بالانتماء، وثقة بالمستقبل، وقناعة بأن الدولة لا تُستخدم ضد منطقة أو جماعة، وأن الثروة ليست امتيازًا لمن يملك القوة، وأن السلطة ليست غنيمة لمن يصل إليها.
إذا كان المواطن في أي محافظة أو منطقة يشعر بأن مستقبله مرتبط بالدولة الجديدة، وأن حقوقه مصونة فيها، وأن صوته مسموع، وأن موارده تدار بعدالة، فإن الوحدة الوطنية تصبح حقيقة.
أما إذا شعر بأن الدولة الجديدة ستعيد إنتاج مركزية قديمة، أو أن السلطة ستنتقل من طرف إلى طرف، فإن الشعارات وحدها لن تبني وحدة.
ولهذا فإن: الوحدة الوطنية الجنوبية تبدأ من العدالة.
التوافق الوطني لا يعني الاتفاق على كل شيء
قد يقول قائل: كيف يمكن أن نتحدث عن التوافق في مجتمع يحمل كل هذه الاختلافات؟
والجواب أن التوافق لا يعني أن نتفق على كل شيء.
لا توجد دولة ديمقراطية يتفق مواطنوها على كل القضايا.
التوافق يعني أن نتفق على القواعد التي تسمح لنا بالاختلاف.
أن نتفق على أن الانتخابات والقانون والقضاء والمؤسسات هي وسائل إدارة الخلاف.
أن نتفق على أن تغيير الحكومة لا يعني إسقاط الدولة، وأن خسارة حزب أو تيار للانتخابات لا تعني خسارة الوطن، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن النقد ليس عداءً للدولة، وأن المطالبة بحقوق منطقة لا تعني بالضرورة العداء للمناطق الأخرى.
هذه هي الثقافة التي تحتاجها الدولة الجديدة.
الخطر ليس في اختلاف الجنوبيين
الخطر الحقيقي ليس أن يختلف الجنوبيون.
فالاختلاف طبيعي.
الخطر أن نعتقد أن هناك طرفًا واحدًا يمتلك الحقيقة الكاملة، وأن بقية الأطراف لا حق لها إلا أن تلحق به.
هذه العقلية قد تنجح في إدارة مرحلة صراع، لكنها لا تصلح لبناء دولة.
في الصراع تحتاج إلى التعبئة، أما في الدولة فتحتاج إلى التعدد.
في الصراع تبحث عمن يقف معك، أما في الدولة فعليك أن تبني مؤسسة تعمل حتى مع من يختلف معك.
ولهذا فإن الانتقال من مرحلة النضال إلى مرحلة الدولة يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير نفسها.
من شرعية النضال إلى شرعية الدولة
قد تكون هناك شرعية تاريخية لنضال طويل، وتضحيات لا يمكن إنكارها.
لكن شرعية النضال شيء، وشرعية إدارة الدولة شيء آخر.
من ضحى من أجل قضية وطنية يستحق التقدير، لكن ذلك لا يعني أن التضحيات تمنح أصحابها حق امتلاك الدولة إلى الأبد.
الدولة لا يمكن أن تكون مكافأة لأحد، ولا أن تصبح ملكية خاصة لمن حمل السلاح أو قاد النضال أو وصل إلى السلطة.
الدولة ملك للمواطنين.
ومن هنا فإن نجاح المشروع الجنوبي لن يقاس فقط بقدرته على تحقيق هدفه السياسي، وإنما بقدرته على الانتقال من شرعية النضال إلى شرعية المؤسسات.
وهنا تلتقي هذه الفكرة مع ما قلناه في المقال السابق:
المسؤول يأتي ويذهب، أما المؤسسة فتبقى.
وكذلك القيادات تأتي وتذهب، أما الوطن فيبقى.
لا منتصر دائم ولا مهزوم دائم
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها المجتمعات الخارجة من الصراعات أن تبني مستقبلها على قاعدة المنتصر والمهزوم.
فالمنتصر اليوم قد يصبح مهزومًا غدًا.
أما الدولة، فلا ينبغي أن تكون ساحة يتبادل فيها المواطنون الأدوار بين منتصر ومهزوم.
الدولة الناجحة هي التي تجعل الجميع رابحين من الاستقرار.
ولهذا فإن المصالحة ليست تنازلًا عن المشروع الجنوبي، بل يمكن أن تكون أحد شروط نجاحه.
فالمشروع الذي يريد بناء دولة لا يستطيع أن يبدأ بإقصاء جزء من المجتمع، والمشروع الذي يريد دولة مستقرة لا يستطيع أن يحمل معه كل صراعات الماضي إلى المستقبل.
الجنوب الذي نريده
ربما يكون علينا أن نطرح السؤال بطريقة مختلفة.
ليس فقط: كيف نستعيد الدولة؟
بل: أي دولة نريد أن نستعيد؟
هل نريد دولة تنتقم من الماضي، أم دولة تتعلم منه؟
هل نريد دولة يهيمن فيها طرف على طرف، أم دولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء؟
هل نريد دولة تعتمد على الأشخاص، أم دولة تعتمد على المؤسسات؟
هل نريد أن نعيد إنتاج الصراعات القديمة، أم نريد أن نمنح أبناء الجنوب فرصة لفتح صفحة جديدة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا.
إنها جزء من معركة بناء الدولة نفسها.
عدالة للماضي، وتسامح للمستقبل
نحتاج إلى عدالة تعترف بالمظالم.
ونحتاج إلى مصالحة تمنع الانتقام.
ونحتاج إلى تسامح يحرر المجتمع من أسر الكراهية.
ونحتاج إلى مؤسسات تضمن عدم تكرار الانتهاكات.
ونحتاج إلى وحدة وطنية تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية.
ونحتاج إلى توافق سياسي يجعل الخلاف وسيلة للتنافس، لا ذريعة للصراع.
هذه ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة.
فإذا عالجنا الماضي دون أن نبني مؤسسات قوية، ستعود المظالم.
وإذا بنينا المؤسسات دون معالجة المظالم، ستظل الذاكرة حاضرة.
وإذا تحدثنا عن الوحدة الوطنية دون عدالة، ستبقى الوحدة شعارًا.
وإذا تحدثنا عن العدالة دون مصالحة، فقد يتحول الماضي إلى وقود لصراع جديد.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي هو أن نجمع بين الأمرين:
عدالة تنصف الماضي، وتسامح يحرر المستقبل، ومصالحة تجعل الوطن أوسع من جراحه.
والسؤال الذي ينتظرنا
إذا استطعنا أن نتفق على أن الجنوب يجب أن يتسع للجميع، وأن الدولة يجب أن تكون فوق الأشخاص والمناطق والتيارات، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن المصالحة لا تعني نسيان الحقوق، فإننا نكون قد قطعنا خطوة مهمة نحو بناء الدولة.
لكن يبقى سؤال أكبر:
كيف نترجم هذا التوافق الوطني إلى نظام سياسي ودستوري يضمن لكل منطقة ومواطن نصيبه العادل من السلطة والثروة والصلاحيات؟
من يملك القرار؟
وأين يجب أن تتركز السلطة؟
وما الذي ينبغي أن يكون من اختصاص الدولة المركزية؟
وما الذي ينبغي أن ينتقل إلى المحافظات أو الأقاليم أو السلطات المحلية؟
وكيف نضمن ألا تتحول المركزية إلى هيمنة، ولا تتحول اللامركزية إلى تفكك؟
وكيف نوزع الثروة بحيث يشعر المواطن أن موارد وطنه تعود عليه، وأن الدولة تعمل لمصلحته؟
ربما يكون هذا هو السؤال التالي في رحلتنا:
كيف نبني دولة جنوبية قوية، وفي الوقت نفسه قريبة من المواطن، عادلة في توزيع السلطة والثروة، وقادرة على استيعاب تنوع الجنوب؟
فإذا كان الانتصار هو أن نصل إلى الدولة، فإن النجاح الحقيقي هو أن نبني دولة لا يشعر فيها أحد أنه غريب عنها.
جنوب يتسع للجميع… ودولة تكون للجميع .













