> واشنطن «الأيام» أبريل لونغلي آلي وأليسون ماينور:

​مستغلين الفرصة التي أتاحتها الحرب في إيران، أطلق الحوثيون محاولة جديدة كبرى لفرض هيمنتهم العسكرية داخل اليمن وفي محيطه. 

ففي يوم الثلاثاء، شنّت الجماعة المتحالفة مع إيران موجة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية، ما أدى إلى اندلاع حرائق في منشآت نفطية جنوب المملكة وإصابة أكثر من 70 شخصاً. 

ثم، يوم الخميس، وبعد أيام من القتال العنيف على جبهات رئيسية داخل اليمن، هزم الحوثيون القوات الحكومية المدعومة من السعودية على ساحل البحر الأحمر وسيطروا على ميناء المخا الاستراتيجي. 

وفي يوم الجمعة، أعلنت الحكومة اليمنية أن الحوثيين استولوا على جزيرة بريم «ميون» عند مدخل مضيق باب المندب، الممر المائي الضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. 

ويمثل هذا الاستيلاء تحولاً عميقاً في ميزان القوى داخل اليمن، قد تكون له تداعيات على المنطقة بأسرها.

حتى هذا الأسبوع، كانت المخا تحتضن جزءاً حيوياً من التحالف المناهض للحوثيين، وشكّلت سداً أمام تقدم الجماعة. لكن الحوثيين، من خلال هذا الهجوم، حطموا الوضع القائم على الساحل، وقلبوا الهدنة التي صمدت إلى حد كبير منذ عام 2022، ومهّدوا الطريق أمام مزيد من ترسيخ سيطرتهم على شمال البلاد.

غير أن هذا الانتصار يُعد أيضاً انتصاراً لإيران، إذ إن سيطرة الحوثيين على كل من جزيرة بريم والمخا، الواقعة على مسافة تقل عن 50 ميلاً من باب المندب، ستتيح لهم ترسيخ أنفسهم باعتبارهم القوة الرئيسية المؤثرة في المضيق، وتمكنهم بصورة أسهل من تهديد حركة الملاحة البحرية.

وتكتسب توقيتات التصعيد الحوثي، الذي بدأ بهجمات على المصالح السعودية في يوليو، أهمية خاصة، نظراً لأن البحر الأحمر أصبح بديلاً حيوياً لمضيق هرمز بالنسبة إلى صادرات النفط السعودية خلال الحرب مع إيران. وحتى في الوقت الذي يصوغ فيه قادة الحوثيين تحركاتهم بعبارات محلية، يبدو أن اصطفافهم مع طهران قد ازداد قوة. 

فمن خلال مهاجمة السفن السعودية والأراضي السعودية نفسها، فتح الحوثيون فعلياً جبهة ثانية في الحرب الإيرانية، بما وسّع نطاق الصراع وفرض مزيداً من الضغوط على أسواق الطاقة والمال العالمية. 

وقال مسؤولون إيرانيون إن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يتطلب إنهاء «الحصار على اليمن»، وهي عبارة يقصد بها رفع السعودية جميع القيود على حركة النقل إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، بما فيها العاصمة صنعاء، وإنهاء دعمها للحكومة اليمنية. وفي ظل هذا النظام الإقليمي المتغير، تسعى إيران وشركاؤها إلى فرض وضع جديد يقوم على السيطرة على أهم نقاط الاختناق البحرية في الشرق الأوسط.

تتجه الخيارات المتاحة لمواجهة التحدي الحوثي من السيئ إلى الأسوأ. وعلى الرغم من أن خطوط الجبهات ستستمر على الأرجح في التغير، فقد انكشفت بعض الحقائق الصعبة. 

إذ إن الحديث عن حل عسكري حاسم للتهديد الحوثي لم يعد يبدو واقعياً. فعلى الرغم من الخطاب العلني المتشدد للقوات الحكومية اليمنية، فإنها لا تزال تعاني انقسامات داخلية. 

وخلال هجوم هذا الأسبوع، أخفقت السعودية، الداعم الرئيسي لها، أيضاً في توفير الإسناد الجوي القريب وغيره من أشكال الدعم الضرورية، بما يشير إلى استمرار ضعف التنسيق بين التحالف المناهض للحوثيين والرياض. 

كما أن مكاسب الحوثيين أضعفت بدورها فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية، إذ يُرجح أن تصبح الجماعة المسلحة الآن أكثر تشدداً في مطالبها وطموحاتها لفرض سيطرتها على امتداد البحر الأحمر.

لا توجد حلول سهلة. وفي الوقت الراهن، يجب أن تكون أولوية السعودية والولايات المتحدة وحلفائهما اليمنيين حماية الجبهات الرئيسية الأخرى من أي تقدم حوثي، وعرقلة مساعي الحوثيين لترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن وباب المندب. 

لكن ما بعد ذلك يتطلب من التحالف المناهض للحوثيين أن يعالج أخيراً الانقسامات التي تمزقه، وأن يتفق على رؤية سياسية ذات مصداقية لحل الصراع اليمني. وإذا لم يفعل ذلك، فهناك خطر حقيقي بحدوث اضطرابات أكبر في جانب الحكومة واتساع نطاق التهديد الحوثي في المنطقة.
  • من المضيق إلى البحر
على مدى نحو خمسة أشهر عقب اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير، بقي الحوثيون إلى حد كبير على هامش الصراع. لكن ذلك الهدوء النسبي انتهى في منتصف يوليو، عندما نقل الإيرانيون وفداً حوثياً جواً من طهران إلى صنعاء، في تحدٍ لسيطرة الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية على المجال الجوي اليمني. 

ولمنع الطائرة من الهبوط، قصفت السعودية والحكومة اليمنية المدرج الوحيد في مطار صنعاء. ورغم أن الطائرة هبطت بدلاً من ذلك في ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، فإن التحرك السعودي منح الحوثيين ذريعة للتخلي عن هدنة عام 2022. ومنذ تلك اللحظة بدأت الجماعة تصعيدها الجريء ضد المصالح السعودية وشنّت هجومها الجديد على قوات التحالف داخل اليمن.

ومن الواضح أن الحملة الحوثية صُممت لاستغلال مواطن الضعف السعودية الجديدة. فمع تضييق إيران الخناق على مضيق هرمز، تحول البحر الأحمر إلى شريان حياة لصناعة النفط السعودية. 

ولكن منذ استئناف الحوثيين هجماتهم في يوليو، انخفضت صادرات النفط السعودية عبر باب المندب بنسبة 95 في المائة. والآن، باستهداف البنية التحتية والسفن القريبة من مجمع موانئ ينبع على البحر الأحمر، يهدد الحوثيون أيضاً حركة صادرات النفط المتجهة شمالاً عبر مصر.

وفي الوقت نفسه، منحت الحرب الأميركية مع إيران زخماً جديداً لأهداف الحوثيين القصوى داخل اليمن نفسه. فقد أبدت الجماعة استياءها من حالة «لا حرب ولا سلام» التي سادت عقب الهدنة، وحمّلت الرياض مسؤولية إبطاء التوصل إلى تسوية سياسية رسمية للحرب الأهلية المستمرة منذ 12 عاماً. غير أن الحقيقة أن الحوثيين أنفسهم عرقلوا مثل هذا الاتفاق. 

ففي عام 2023، ساعدت الأمم المتحدة في التفاوض على اتفاق لخريطة طريق كان من شأنه السماح للحوثيين بدفع رواتب جميع موظفي القطاع العام والحصول على حصة من موارد النفط والغاز، مقابل وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية. 

وكان ذلك سيشكّل نتيجة جيدة للحوثيين، الذين لا يسيطرون على أي من موارد الهيدروكربونات في البلاد ويعانون العزلة عن الاقتصاد الدولي. لكن بدلاً من قبول العرض، بدأوا مهاجمة الملاحة في البحر الأحمر لإظهار دعمهم لحركة حماس في حرب غزة، مفترضين طوال الوقت أن بإمكانهم العودة إلى طاولة المفاوضات عندما يرغبون.

وخلال المرحلة الأخيرة من حرب غزة، ألحقت إسرائيل والولايات المتحدة أضراراً عسكرية واقتصادية كبيرة بمعاقل الحوثيين في اليمن. ففي ربيع عام 2025، نفذت إدارة ترامب أكثر من ألف غارة جوية خلال عملية «Rough Rider»، وبعد أشهر قليلة استهدف الإسرائيليون بنية تحتية حوثية واغتالوا رئيس الوزراء الفعلي للجماعة ورئيس هيئة أركانها العسكرية. 

إلا أن هذه الحملات تبدو وكأنها زادت من جرأة الجماعة. فمن خلال مهاجمة الملاحة العالمية، عزز الحوثيون أهميتهم داخل «محور المقاومة» الإيراني. ومن خلال مواجهة هذه القوى العسكرية الكبرى، رسخت الجماعة صورتها الذاتية باعتبارها لاعباً إقليمياً رئيسياً يمتلك، بحسب تصورها، قدرة فريدة على «تحرير العالم الإسلامي» من النفوذ الأميركي والإسرائيلي الذي تصفه بالمفسد.

ومنذ ذلك الحين، كثفت الجماعة جهودها للحصول على قدرات عسكرية جديدة وأكثر قوة. وخلال حرب غزة، زودت روسيا الحوثيين بمعلومات استخباراتية ساعدتهم على استهداف السفن. 

كما درست موسكو تزويد الحوثيين بأسلحة متطورة، لكنها تراجعت عن ذلك في نهاية المطاف تحت ضغط الرياض. واليوم، وكما ورد في تحليل حديث في مجلة «فورين أفيرز»، يستفيد الحوثيون من سلاسل إمداد متنوعة وشبكات مالية غامضة، بالتوازي مع تطوير قدراتهم المحلية على الإنتاج. ونتيجة لذلك، تمكنوا من تعزيز ترسانتهم حتى من دون عمليات نقل أسلحة مباشرة من إيران.

ويعتقد الحوثيون الآن أن بإمكانهم دفع السعوديين إلى تقديم شروط أفضل من تلك التي تضمنتها خريطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة عام 2023، بما في ذلك دفع تعويضات حرب. ومع استمرار هجومهم العسكري، يُرجح أن ترتفع سقوف هذه المطالب. 

وفي الوقت نفسه، يواجه الحوثيون ضغوطاً كبيرة في الداخل لدفع رواتب موظفي القطاع العام التي وعدوا بها منذ فترة طويلة، ومعالجة ظروف معيشية تتجه نحو مزيد من اليأس. ويعاني أكثر من نصف سكان اليمن انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يعيش ستة ملايين شخص مستويات «طارئة» من الحرمان تقترب من المجاعة.
  • الخط الأحمر للرياض
في ضوء اعتماد السعودية المتزايد على البحر الأحمر، ربما افترض الحوثيون أن المملكة ستسارع إلى الرضوخ لمطالبهم. لكن تحركات الحوثيين تبدو، بدلاً من ذلك، وقد عززت تصميم الرياض على مواجهتهم. 

وربما كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يفضّل خفض التصعيد، أو على الأقل تأجيل المواجهة إلى حين التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني يقلل اعتماد المملكة على البحر الأحمر، إلا أن الحوثيين لم يتركوا للسعوديين مساحة للانتظار.

وفي ظل إدارة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها في واشنطن، استعدت السعودية للمواجهة من خلال تنويع شراكاتها الأمنية. ففي 30 يوليو، أعلنت الرياض إنشاء تحالف دفاع بحري للبحر الأحمر يضم 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي. وبعد أسبوع، وقّع ولي العهد اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا وباكستان خلال مراسم في مكة بحضور قادة الدولتين. 

ولا تزال القيمة العسكرية لهذه الاتفاقات غير معروفة، بل إن الهجمات الحوثية على السعودية تمثل أول اختبار للاتفاق الأخير. وحتى الآن، جاءت النتائج محدودة. 

فبحسب وكالة «رويترز»، حذرت باكستان الإيرانيين من ضرورة كبح حلفائهم الحوثيين قبيل استيلاء الحوثيين الدراماتيكي على المخا. ولم تدخل تركيا أو باكستان مباشرة في القتال داخل اليمن، كما أكدت إسلام آباد أن اتفاق مكة لم يُفعّل رداً على حرب اليمن. ومع ذلك، يظل الدعم الدبلوماسي مهماً للسعودية، بالنظر إلى الانتقادات التي واجهتها الرياض بسبب تدخلها العسكري في اليمن عام 2015.

كما واصل السعوديون السعي للحصول على دعم الولايات المتحدة. وأفاد موقع «أكسيوس» بأن واشنطن أعطت السعودية الضوء الأخضر لضرب مطار صنعاء، فيما طلبت المملكة مزيداً من الدعم الأميركي. 

وفي 28 يوليو، شاركت الرياض واشنطن في ضرب ميليشيات عراقية مدعومة من إيران اصطفّت إلى جانب الحوثيين، في إشارة إلى احتمال انضمام واشنطن إلى الجهد العسكري السعودي ضد الحوثيين إذا استمر الصراع في الاتساع. 

ومع ذلك، فإن التدخل الأميركي ليس مضموناً على الإطلاق. ففي ظل متطلبات الحرب مع إيران، حرصت الإدارة على الحفاظ على هدنة ثنائية مع الحوثيين قائمة منذ مايو 2025، كما أن العديد من الأصول العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط منشغلة في منطقة مضيق هرمز، فضلاً عن أن توسيع الحرب سيكون خياراً غير شعبي داخل الولايات المتحدة.

وفي حين أن سيطرة الحوثيين على المخا وجزيرة بريم تفرض ضغوطاً أكبر على واشنطن للتحرك، فقد تكون إدارة ترامب أكثر اهتماماً بتجنب الدخول في تورطات عسكرية جديدة قبيل انتخابات التجديد النصفي. وذكر «أكسيوس» أن ترامب رفض طلبات سعودية لشن غارات جوية على الحوثيين عقب تقدمهم يوم الخميس.

وفي المقابل، أسفرت جهود الرياض لتعزيز الحكومة اليمنية عن نتائج متباينة بوضوح. ففي يناير، أبعدت السعودية حليفتها القديمة في اليمن، دولة الإمارات العربية المتحدة، بعدما حاولت القوات الانفصالية المدعومة إماراتياً بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي فرض سيطرتها على كامل جنوب اليمن. ومنذ ذلك الحين، انسحبت الإمارات بالكامل من اليمن، ما أتاح للرياض توحيد القوات العسكرية الحكومية تحت قيادتها المباشرة.

إلا أن السيطرة السريعة للحوثيين على المخا تثير تساؤلات كبيرة بشأن قوة هذه القوات وتماسكها. ففي المعركة، لم تنجح القيادة الموحدة في تحقيق تعاون فعّال بين مختلف التشكيلات المرتبطة بالحكومة. ومع انسحاب القوات الحكومية من المخا، وردت تقارير تفيد بوقوع اشتباكات بينها وبين قوات جنوبية رفضت السماح لحلفائها الشماليين بدخول الجنوب وهم يحملون أسلحتهم.

وعلى وجه الخصوص، أدى غياب الإمارات وحل المجلس الانتقالي الجنوبي إلى تنفير شريحة جنوبية مهمة داخل التحالف المناهض للحوثيين، كما حرم التحالف من داعم خارجي يمتلك قدرات عسكرية مؤثرة. وإذا نجح الحوثيون في ترسيخ مكاسبهم في المخا ومحيطها، فقد توجه الخسائر الميدانية ضربة قوية لمعنويات القوات التابعة للحكومة وتؤجج مزيداً من الانقسامات.
  • مضيقا الاختناق
كانت قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز أكبر أوراق الضغط التي تملكها في مواجهة الولايات المتحدة. وخلال معظم فترة الحرب، صدّرت السعودية ما بين ثلاثة وخمسة ملايين برميل من النفط يومياً عبر موانئها المطلة على البحر الأحمر، الذي تحول إلى مسار بديل بالغ الأهمية للرياض ولأسواق النفط العالمية.
ومن خلال الحوثيين، أصبحت إيران الآن قادرة على تقييد هذه الصادرات أيضاً. ويتمثل هدف طهران على المدى البعيد في فرض وضع بالغ الصعوبة: سيطرة حوثية على باب المندب إلى جانب سيطرة إيرانية على مضيق هرمز. وإذا أمكن الحفاظ على هذا الوضع، فإن هذه الاستراتيجية ستجعل إيران وشريكها الإقليمي فعلياً حارسين لممرات تمر عبرها تجارة تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات سنوياً.

وعلى الرغم من أن طهران لا تمارس قيادة وسيطرة مباشرة على الحوثيين، فإنها تتمتع بنفوذ هائل على الجماعة. ويكشف قرار إيران إرسال الرحلة الجوية إلى صنعاء في يوليو، والذي أشعل شرارة التصعيد الحوثي الحالي، عن الطرق العديدة التي تستطيع من خلالها طهران تأجيج الصراع اليمني لخدمة أهدافها الخاصة.

وفي المقابل، أدى قرار الحوثيين إشراك ميليشيات عراقية في هجماتهم على السعودية إلى مزيد من التشابك بين الصراع اليمني والحرب الإيرانية. كما تكشف تحالفات الحوثيين المتنامية مع جماعات مسلحة في الصومال والسودان ومناطق أخرى من القرن الأفريقي عن المدى الذي يمكن أن يمتد إليه التصعيد الحالي سريعاً ليتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم الأوسع.

وخلال العقد الذي أعقب اندلاع الحرب الأهلية اليمنية عام 2014، امتدت تداعيات الصراع إلى السعودية والإمارات، ثم إلى البحر الأحمر. أما الآن، ومع الحرب الإيرانية، والطموحات الإقليمية المتزايدة للحوثيين وشراكاتهم الجديدة، وقدرتهم المشتركة مع إيران على التأثير في تجارة الطاقة العالمية، فقد أصبحت الظروف مهيأة لاشتعال صراع أكثر خطورة.

وقد يصبح من الأصعب هذه المرة على الحوثيين الحفاظ على القدر السابق من استقلاليتهم عن طهران. فلطالما كانت الحرب في اليمن ساحة تنافس للقوى الإقليمية، لكن مرحلتها الأخيرة قد تشهد انخراطاً متزايداً من إسرائيل وروسيا وتركيا والولايات المتحدة. وبدلاً من أن يبقى اليمن ساحة للصراع على النفوذ الإقليمي، قد يتحول إلى منصة للتنافس بين القوى الكبرى تتمحور حول أحد أكثر الممرات البحرية الاستراتيجية أهمية في العالم.
  • صدام سياسي أم إلقاء القنابل
الآن، وبعد أن بدأت دورة خطرة من التصعيد، سيعتمد الكثير على ما سيحدث لاحقاً. فقد تستخدم السعودية التقدم الحوثي الأخير لحشد دعم دولي لحملة كبرى ضد الحوثيين، ربما بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها الجدد في اتفاق مكة.

غير أن مثل هذا الرد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع من دون معالجة نقاط الضعف الجوهرية داخل التحالف المناهض للحوثيين الذي يقاتل على الأرض. ومن المرجح أن يصب تصعيد مفتوح النهاية من هذا النوع في مصلحة الحوثيين، وأن يخدم استراتيجية إيران الرامية إلى السيطرة على نقاط الاختناق في الشرق الأوسط. كما يمكن لحرب ممتدة في اليمن أن تعقّد الجهود الأميركية للتوصل إلى تسوية مع إيران.

وفي المقابل، إذا رضخت السعودية لمطالب الحوثيين بعد مكاسبهم الميدانية، فقد يوجه ذلك ضربة مدمرة للتحالف المناهض للحوثيين، ويزيد من طموحات الجماعة الإقليمية.

ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة ضيقة من الفرص لمنع انفلات التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات. ولتحقيق ذلك، سيتعين على السعودية والحكومة اليمنية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين آخرين، الاتفاق على خطة ذات مصداقية لتأمين حل سياسي للصراع اليمني.

ويجب أن تعالج هذه الخطة الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين، وأن تحسم القضايا السياسية التي لا تزال تمزق هذا التحالف، مع تجنب تبني أهداف عسكرية قصوى.

والوصول إلى مثل هذه التسوية الآن سيتطلب من السعودية والقوات الحكومية اليمنية، وبدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، ممارسة ضغط عسكري فعّال لوقف تقدم الحوثيين ودفعهم إلى قبول اتفاق.

والحوثيون أنفسهم، في الواقع، يواجهون ضغوطاً اقتصادية كبيرة في الداخل، ويمكن أن يستفيدوا من مثل هذه المحادثات إذا أمكن إقناعهم بأنهم غير قادرين على فرض إرادتهم بالقوة العسكرية.

ولكي تحقق التسوية السياسية الاستقرار في اليمن، سيكون على الحوثيين أيضاً الموافقة على شروط تعالج المخاوف الجوهرية للحكومة اليمنية ودول المنطقة، وتضع إطاراً قابلاً للحياة لنظام الحكم.

وتقدم تجربة سابقة للتحالف بقيادة السعودية في اليمن درساً مهماً في هذا السياق. ففي عام 2021، انسحب الحوثيون من المفاوضات وشنوا هجوماً برياً واسعاً جديداً. ورد السعوديون والإماراتيون بتنفيذ عملية منسقة ركزت على إعادة الحوثيين إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من السعي إلى تحقيق نصر عسكري شامل. وفي نهاية المطاف، أسهمت تلك الحملة في التوصل إلى الهدنة بعد أشهر.

وأي حملة جديدة يقودها التحالف السعودي اليوم ينبغي أن تركز بالطريقة نفسها على دفع الحوثيين إلى المشاركة في المفاوضات. لكن النجاح سيتطلب أولاً منع مزيد من الخسائر على الأرض، وإطلاق جهد فوري لمعالجة الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين.

لقد حان الوقت منذ زمن لإنهاء الاستراتيجية الفاشلة التي حاولت معالجة مشكلات اليمن عبر جولات قصيرة الأجل من التصعيد العسكري وحملات الضغط. ولن تكون إعادة إحياء مسار التسوية السياسية سهلة، ولن تتحقق فوراً.
لكن البديل أسوأ بكثير: الانزلاق المتعثر إلى حرب متجددة وطويلة الأمد تتسع إقليمياً بصورة متزايدة، وقد يتبين، كما حدث في الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران، أن إشعالها أسهل بكثير من إنهائها.

*عن فورين افيرز
**أبريل لونغلي آلي: زميلة أولى في معهد واشنطن، وشغلت منصب مستشارة سياسية أولى لدى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن خلال الفترة من 2020 إلى 2024.
**أليسون ماينور: مديرة مشروع تكامل الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، وشغلت منصب نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن خلال الفترة من 2021 إلى 2023.