أخر تحديث للموقع
الثلاثاء, 09 يونيو 2026 - 12:02 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • اليمن وأزمة المناخ

    بسام القاضي




    لم يعد تغير المناخ في اليمن قضية بيئية تهم العلماء والخبراء فحسب، بل صار أزمةً تمس حياة ملايين السكان بشكل مباشر، وتنعكس آثارها على المياه، والغذاء، والصحة، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي.

    وفي بلدٍ يُصنَّف ضمن أكثر الدول هشاشةً أمام التغيرات المناخية، تتداخل آثار الجفاف والتصحر وشح المياه مع تحديات الفقر والنزوح وتراجع الإنتاج الزراعي، لتشكل مجتمعةً واحدةً من أعقد الأزمات التنموية والإنسانية في المنطقة. وتشير بيانات الأمم المتحدة وتقارير مكافحة التصحر إلى أن المناخ بات عاملاً رئيسياً في تعميق الأزمات القائمة وتهديد سبل عيش ملايين اليمنيين.

    وتبرز أزمة المياه بوصفها أحد أكثر وجوه التغير المناخي وضوحًا في اليمن؛ فبحسب البيانات المتاحة، يعاني أكثر من 54 % من السكان من ندرة مائية شديدة، في حين تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية بنحو 42 % خلال العقود الماضية، بينما لا يحصل أكثر من 5.4 ملايين شخص على مياه آمنة بشكل مستدام. ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد أكثر من 80 % من المزارعين على الأمطار الموسمية في ري محاصيلهم، في وقتٍ تتراجع فيه معدلات الهطول وتزداد فترات الجفاف، الأمر الذي يهدد الأمنين المائي والغذائي في آنٍ واحد.

    ولا تتوقف تداعيات المناخ عند المياه، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية التي تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة التصحر وتدهور الموارد الطبيعية. وتُشير المؤشرات إلى أن نحو 71.6 % من مساحة اليمن تتأثر بدرجات مختلفة من التصحر، فيما تتعرض قرابة 73 % من الأراضي لخطر التدهور البيئي. ويؤدي هذا الواقع إلى خسارة مساحات واسعة من الأراضي المنتجة وتراجع المراعي الطبيعية، بما ينعكس مباشرةً على سبل عيش ملايين السكان الذين يعتمدون على الزراعة والرعي كمصدر رئيسي للدخل والغذاء.

    ومع تفاقم الجفاف، تتسع دائرة التأثير لتشمل الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي؛ فبحسب البيانات، تأثرت 76.5 % من الأراضي اليمنية بالجفاف الشديد، بينما تواجه 18 محافظة من أصل 21 ضغوطاً مائية متزايدة. وفي ظل اعتماد القطاع الزراعي على الأمطار بشكل كبير، تتحول مواسم الجفاف إلى تهديد مباشر للإنتاج الزراعي ودخل الأسر الريفية. كما تسجل البلاد خسائر سنوية في الإنتاج الزراعي تتراوح بين 3 % و5 %، في حين يستهلك القطاع الزراعي نحو 90 % من الموارد المائية المتاحة، ما يزيد من تعقيد التحديات المرتبطة بإدارة المياه وتحقيق الأمن الغذائي.

    كما تمتد آثار تغير المناخ إلى النظم البيئية والتنوع الحيوي الذي يشكل ركيزةً مهمة للاستدامة البيئية. وتُعد المحميات الرطبة في عدن نموذجاً لهذا التحدي، إذ تستقبل سنوياً آلاف الطيور المهاجرة وتحتضن عشرات الأنواع من الكائنات البحرية والطيور. غير أن التوسع العمراني، والردم، والتلوث المستمر تهدد هذه النظم البيئية الفريدة، وتضع التنوع الحيوي أمام مخاطر متزايدة قد تؤدي إلى فقدان خدمات بيئية أساسية، تشمل حماية السواحل، وتنقية المياه، ودعم الأمن الغذائي.

    وتكشف المؤشرات الإنسانية حجم الترابط بين التغيرات المناخية والأوضاع المعيشية في اليمن؛ حيث يحتاج نحو 21.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني 17 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي، ويفتقر 17.8 مليونًا إلى المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي. كما يعاني 2.2 مليون طفل من سوء التغذية الحاد، في حين تواجه 1.1 مليون امرأة حامل ومرضع أوضاعًا غذائية مقلقة. وتعكس هذه الأرقام كيف تتحول التغيرات المناخية إلى أزمة إنسانية تمس الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

    وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز استعادة الأراضي المتدهورة والزراعة الذكية مناخيًا كأحد أهم الحلول الممكنة لتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف. وتشير المؤشرات إلى إمكانية استعادة مساحات واسعة من الأراضي عبر الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وتحسين إدارة المياه، واستخدام أصناف زراعية مقاومة للجفاف، ورفع كفاءة الري. كما تمثل الطاقة الشمسية فرصة استراتيجية لليمن الذي يتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، بما يتيح تعزيز الأمن المائي والزرعي وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي مرتفع التكلفة.

    ولم يعد السؤال اليوم ما إذا كان تغير المناخ يؤثر على اليمن، بل كيف يمكن الحد من آثاره قبل أن تتحول إلى أزمة أكثر عمقاً وتعقيداً. فالمناخ لم يعد قضية بيئية منفصلة عن الواقع اليومي، بل أصبح مرتبطاً مباشرةً بالمياه، والغذاء، والصحة، وفرص العمل، والاستقرار المجتمعي. ومع استمرار تدهور الموارد الطبيعية، تبدو الحاجة ملحة إلى سياسات أكثر فاعلية في إدارة المياه والأراضي، وإلى استثمارات جادة في التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

    وفي النهاية، فإن حماية البيئة لم تعد ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لحماية الإنسان نفسه. فحين تتراجع المياه، وتتدهور الأرض، ويشتد الجفاف، يصبح المناخ بالفعل قضية حياة وبقاء لملايين اليمنيين.

المزيد من مقالات (بسام القاضي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال