السبت, 06 يونيو 2026
1,102
في الوقت الذي تكتوي فيه أجساد المواطنين في عدن وحضرموت وغيرها من المحافظات بنيران الصيف الحارق، وتغرق المدن في ظلام دامس لا يقطعه إلا أزيز المولدات المتهالكة، وأخبار الموتى بسبب شدة حرارة الكهرباء المفقودة يطل علينا الدكتور سالم الخنبشي عضو مجلس القيادة الرئاسية ومحافظ محافظة حضرموت ليصرخ من خلال منصات الإعلام ويمارس علينا دور المحلل السياسي القادم من جزر واقع الواق، وليس كونه مسؤولًا في سلطة الدولة اليمنية والتي تقلد فيها المناصب العليا وصنع مع غيره هذا الواقع البائس الذي نعيشه اليوم.
خرج الخنبشي بدواهي جديدة ممتطيًا صهوة البلاغة والتشبيهات فاقدة المفاهيم والتعبيرات الوطنية والإنسانية فيحدثنا عن سفينة (الثمانية رؤوس) التي لا تبحر، وعن حاجة البلاد إلى ديك واحد يصيح..
ثم ذهب بعيدًا ليوزع صكوك الأمل بوهم الربط الكهربائي عبر منفذ الوديعة والمسارات الاستراتيجية وعربة القطار الأولى .
أن ما يستفز المواطن البسيط هو النضال من مقعد المتفرج غير المسؤول وغير المبالي بحقائق الوضع القائم وتعقيداته ، لقد مارس الخنبشي "الخنبشة الإعلامية" حيث تاهت الصفات بين عضو مجلس رئاسي ومحافظ لمحافظة مهمة بينما تناسى أنه سبق أن تولى مهام نائب رئيس وزراء سابق. ولكن أيًّا كان المنصب فإن العقلية واحدة عقلية المسؤول الذي يتحدث بروح المعارض من داخل سلطة هو أحد أركانها (الثمانية) موهما نفسه أنه بذلك يمكنه أن يتنصل من التبعات التي لا تريح شخصه.
في حين يتساءل المواطن المنهك ويقول له ولغيره من زملاء (الأركان الثمانية ومن يتبعوهم).. إن كنتم وأعضاء مجلسكم وحكومتكم الموقرة تعرفون أن الثمانية رؤوس تفسد السفينة، فلماذا تمترستم خلف هذه الرؤوس وجعلتموها تقضم قوت الشعب ومتطلبات حقه في الحياة؟
ومن الذي شرعن هذه المحاصصة البليدة على حساب معاناة الناس؟
وما أراد الخنبشي أن يتحفنا بأقواله بأن البلاد بحاجة إلى ديك واحد يصيح..!. نقول له يا دكتور سالم الشارع لا يبحث عن ديك يصيح في براميل الخدمات الخاوية الشارع يبحث عن دولة تؤمن لمن يعيش فيها إلى شربة ماء باردة، وساعة كهرباء مستقرة، وحياة آمنة وكريمة تحترم فيه حقوقه الإنسانية والحياتية التي سنها الله في قرآنه الكريم وسنتها القوانين والتشريعات الدولية التي وقعت عليها الدولة اليمنية وأصبحت ملزمة بها أمام العالم وتكتسب بها أيضًا ( شرعيتها الدولية) إضافة إلى الحاجة إلى ضمان حصول موظفي ومنتسبي الدولة إلى رواتب شهرية منتظمة تتناسب وحاجاته المعيشية الكريمة لمواجهة غول الغلاء الذي قفز فيه الدولار الجمركي إلى 1300 ريال.
ولم تتوقف "الفلسفة الخنبشية" عند حدود تبرير الفشل الخدمي، بل امتدت لتضرب في عمق منطق بناء الدولة واستقرارها حين فاجأنا الدكتور بنظرية اقتصادية عجيبة تطالب باحتجاز 75 % من ثروات المحافظة محليًّا، وترك الفتات (25 % فقط) للدولة الاتحادية المفترضة.
وهو طرح يفوح منه منطق الاستقواء بالجغرافيا وضيق الأفق المحلي بمفاهيمه الوطنية والإنسانية، مقدمًا مصالح الإقليم على حساب تماسك الكيان الوطني الجامع.
والغريب في الأمر، أن الدكتور حاول شرعنة هذا التفتيت المالي بالاتكاء على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء (وفريق الحكم الرشيد تحديدًا)، في قراءة مجتزئة لا تمت لروح التوافق الوطني ومسار التطورات والواقع الحالي بصلة. فكيف يستقيم عقلًا أن توزع موارد سيادية بنسبة 25 % للمنطقة، ومثلها للمديرية، ومثلها للمحافظة، ثم ننتظر من ربع الميزانية المتبقي أن يدير دولة اليمن الكبير؟ كيف لمركز معزول ومفلس أن يفي بالتزاماته السيادية في حماية الأمن القومي، وإدارة الدبلوماسية الخارجية، وتقديم الخدمات للمحافظات والمدن التي لا تمتلك آباراً للنفط لكنها تمتلك ما يكمل حاجات ومتطلبات الدولة ؟
إن المفارقة العجيبة والمضحكة المبكية أن الخنبشي يستسهل تبرير الأزمات ويربطها بالعوامل العالمية، بينما ملف الكهرباء في عدن وحضرموت والمحافظات الأخرى تحول إلى ثقب أسود لتهريب الأموال وفساد الديزل والبترول والطاقة المشتراة، في ظل سياسة أذن من طين وأذن من عجين التي تتبعها السلطات المتعاقبة أمام صرخات الأمهات والأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة في هذا الجحيم. وصراخ المجتمع من مخاطر التهريب والفساد.
أما الحديث عن مشاريع الربط الكهربائي مع الجوار في ظل عجزكم عن توفير وقود لمحطة توليد واحدة، فهو ليس أكثر من حقنة تخديرية انتهت صلاحيتها تعود الشعب عليها ومثيلاتها ولم تعد تنطلي على أحد.
ختامها مسك.
يا دكتور خنبشي ويا كل من يتصدر المشهد من وراء شاشات التكييف والعيش والحياة الرغدة .. إن الصمت في زمن العجز مكرمة، أما الخروج لتنظير وتشخيص أزمات أنتم جزء من تركيبتها، فهو ذروة الاستخفاف بوعي الناس وآلامهم بل هو صورة جديدة من صور استفزاز المواطنين الغلابى.
السفينة غارقة ليس لأنها بثمانية رؤوس فقط، بل لأن كل الرؤوس التي تعاقبت على إدارتها صمت آذانها عن أنين ومعاناة الشعب، واكتفت بالحديث المنمق والشعارات فارغة المضامين عن المستقبل الزاهر، بينما الحاضر جحيم لا يطاق ولا يحتمل.
كفى خنبشة بآلام الناس، فعدن وحضرموت وكل محافظات الجنوب ومحافظات الدولة التي تتواجد في قمة سلطتها لم يعودوا يحتملون مثل هكذا هرطقات سياسية تعبر عن الجهل في علوم السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السلطة والحكم، وكفى المؤمنين شر خطاباتكم فاضية المضمون الصحيح.
* المديرة التنفيذية لمركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان/ عدن