السبت, 06 يونيو 2026
123
من أكثر الظواهر إثارة للاستغراب أن ترى إنسانًا بسيطًا، يعاني ضيق العيش وقسوة الظروف، يقف مدافعًا عن فاسد لم يقدم له شيئًا، وقد يكون أحد أسباب معاناته. والأشد إيلامًا أن يصدر هذا الدفاع من مثقف أو متعلم يدرك بحكم معرفته وخبرته حجم الفساد وآثاره على المجتمع والدولة.
إن الفاسد لا يستمد قوته من نفوذه أو ماله فقط، وإنما يستمدها أيضًا من وجود من يبرر أخطاءه ويزين أفعاله ويحول إخفاقاته إلى إنجازات في نظر الناس. وحين يجد الفاسد من يدافع عنه في كل الأحوال، يزداد اطمئناناً إلى أن أحدًا لن يحاسبه، وأن هناك من سيتكفل بتبرير كل تجاوز يرتكبه.
ليس المطلوب أن يتفق الناس جميعًا في المواقف السياسية أو أن يؤيدوا الأشخاص أنفسهم، فاختلاف الآراء أمر طبيعي في كل المجتمعات. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الولاء للأشخاص إلى تعطيل للعقل، وعندما يصبح الدفاع عن الفساد موقفًا ثابتًا مهما كانت الأدلة واضحة والنتائج كارثية.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس وجود الفاسدين وحدهم، وإنما وجود من يمنحهم الغطاء الأخلاقي والسياسي للاستمرار. فالفاسد فرد محدود الأثر إذا وُوجه بالنقد والمحاسبة، أما التطبيل للفساد فهو ثقافة تهيئ البيئة المناسبة لاستمراره وانتشاره. وحين تتحول هذه الثقافة إلى سلوك عام، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، وتمتد معاناة الناس زمنًا أطول.
إن الأمم لا تنهض حين يصفق الناس لأصحاب النفوذ، وإنما تنهض عندما يكون معيار الحكم على المسؤول هو ما يقدمه من خدمة للناس وما يحققه من عدالة ونزاهة وكفاءة. أما التطبيل الأعمى فلا يصنع وطنًا، ولا يبني دولة، ولا يحمي مجتمعًا من الانهيار.