الأربعاء, 10 يونيو 2026
1,278
يُنظر إلى دونالد ترامب، في كثير من الأوساط السياسية، باعتباره رجل صفقات أكثر منه صاحب رؤية استراتيجية متكاملة. فهو يتقدم حينًا ويتراجع حينًا آخر وفق حسابات الكلفة والعائد والضغوط الداخلية. وفي المقابل، أظهرت إيران، بصرف النظر عن الموقف من سياساتها، خبرة تراكمت عبر عقود من إدارة الصراعات والعقوبات والضغوط الدولية، ما مكّنها من الحفاظ على تماسك نظامها السياسي وتأكيد حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
وإذا انتهت المواجهات الحالية إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة تؤدي إلى احتواء ملفات النزاع وخفض مستويات التوتر، فإن إيران ما بعد الحرب لن تكون بالضرورة نسخة مطابقة لما كانت عليه قبلها. فنتائج الصراع، أيًّا كانت، ستفرض إعادة تقييم لموازين القوى الإقليمية، وقد تمنح طهران هامشًا كبيرًا للحركة السياسية والاقتصادية، كما ستدفع القوى الإقليمية والدولية إلى مراجعة مقارباتها تجاهها.
إلا أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بإيران أو الولايات المتحدة بقدر ما يتعلق بدول الخليج العربي التي تجد نفسها أمام بيئة استراتيجية آخذة في التشكل. فهذه الدول لا تملك منفردة القدرة على إعادة رسم حدود النظام الإقليمي، كما أن قضايا الممرات البحرية وأمن الطاقة أصبحت جزءًا من توازنات أوسع تتجاوز الإطار التقليدي.
ومن هنا يبرز اتجاه متنامٍ في النقاشات السياسية والاقتصادية يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لدول الخليج، وفي مقدمة ذلك إعادة تقييم منظومة الأمن ووسائل حمايتها، بما يضمن الحد من تكرار تداعيات الصراعات الدولية والإقليمية على أراضيها ومنشآتها الحيوية. فالمشهد الذي يتشكل بعد هذه الحرب يختلف عن ذلك الذي سبقها، كما أن الاعتماد على ضامن دولي واحد لم يعد يوفر القدر نفسه من اليقين الذي وفره في مراحل سابقة. وقد كشفت التحولات الأخيرة أن التحالفات، مهما بلغت أهميتها، تظل محكومة بالمصالح والمتغيرات، الأمر الذي يفرض على دول المنطقة تعزيز قدراتها الذاتية وتوسيع خياراتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، قد يشكل الانفتاح الاقتصادي على إيران، إذا توافرت الظروف السياسية والقانونية المناسبة، أحد الخيارات الممكنة ضمن رؤية أوسع لإعادة صياغة التوازنات الاقتصادية في المنطقة. فالسوق الإيرانية، بما تمتلكه من حجم سكاني كبير وقاعدة صناعية وبشرية واسعة، تمثل فرصة اقتصادية يصعب تجاهلها في حال رُفعت العقوبات وتوفرت بيئة استثمارية مستقرة وشفافة. ويمكن لرؤوس الأموال الخليجية، عندئذ، أن تسهم في بناء شبكة من المصالح المتبادلة التي تخفف من حدة التوترات وتفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعاون الإقليمي. إلا أن هذا المسار يظل مشروطًا بمعالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة، وبمدى استعداد مختلف الأطراف للانتقال من منطق الصراع إلى منطق المصالح المشتركة.
إن التحول الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في استبدال شريك دولي بآخر، وإنما في بناء سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الخيارات. فالدول الأكثر قدرة على التكيف مع النظام الدولي المتغير ليست تلك التي تراهن على قوة واحدة، وإنما تلك التي تنجح في بناء علاقات متوازنة مع مختلف مراكز القوة العالمية والإقليمية، مع الاستثمار المستمر في عناصر قوتها الذاتية الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.
لقد صنعت هذه الحرب واقعًا جديدًا، وربما فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة في تاريخ المنطقة. والأهم من نتائجها العسكرية المباشرة أنها أعادت التذكير بحقيقة ثابتة في العلاقات الدولية، وهي أن المصالح تبقى أكثر دوامًا من التحالفات والشعارات. والدول التي تدرك هذه الحقيقة مبكرًا هي الأقدر على تحويل المتغيرات الكبرى من مصدر للتهديد إلى فرصة لإعادة التموضع وصناعة المستقبل.