الأربعاء, 10 يونيو 2026
100
كانت ردفان حضورًا لا يتبدد أبدًا في نسيج المكوّن الاجتماعي للناس قاطبةً في الوطن.
ولا تكون ردفان حضورًا عابرًا أو موسميًا أو حتى انتقائيًا؛ بل ستجدها نبضًا دافقًا لا يتوقف في المسرّات والضرّاء، ولعلها، في صناعة الرجال المؤثرين وطنيًا، حضورٌ عابرٌ لكل مراحل التاريخ.
يكفي أنها تقدم ضريبة الدم من فلذات أكبادها على الدوام، قبل الكل؛ نعم، دون حصرٍ لغنيمة أو حضورٍ على موائد القسمة. ويكفي أنها سبّاقة للوطن مهما كانت فداحة التضحية.
ولعلنا بحاجة إلى درسٍ في التاريخ؛ فهو فعلًا سفرٌ متكامل حين يكون المعنى والمبنى هو ردفان، لكن لا يسمح لنا الحيّز المتاح حاليًا إلا بإلقاء التحية على ردفان ليس إلا، وإرجاء ذلك إلى قابل الأيام.
أما الأمر الملح، فهو تحية وداع نلقيها دامعين على رحيل واحدٍ من رجالات ردفان الأبطال؛ وما كانت ردفان لتودّع إلا الأبطال. أخي وزميلي المغفور له بإذن الله تعالى، فيصل محمود، الذي توفي بعد معاناة مع المرض.
تبوأ فيصل مناصب مهمة في الدولة، وكان قريبًا من كل أبناء منطقته، ردفان، وهو أحد رجالاتها الذين لا تخطئهم العين.
وربما كان فيصل ممن لحقت بهم، وبأسرهم وعشائرهم، تلك الأخطاء التي وقعت فيها دولة الجنوب، لكن ذلك لم يؤثر في سريرته وطويته تجاه الآخرين من هذا الاتجاه أو ذاك، بل كان يتعاطى بأريحية مع الجميع، مدركًا أن أخطاء المراحل التاريخية لا تعالجها ردات الفعل في الحاضر؛ فهي قد ذهبت: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
كان فيصل محمود لا تفارقه الابتسامة والنكتة الحاضرة. جمعتني به موسكو الجميلة عام 1985م في السنة التحضيرية، حيث كان يجد سلوته في ممازحتي بطريقته العفوية.
وما إن أطل عام 1986م بمرارة الصراع الذي تفجر بين الإخوة الأعداء في عدن، حتى انعكس ذلك على الطلاب في موسكو. إلا أن حكمة الأخ السفير علي منصر - الذي قدم من إحدى عواصم أوروبا الشرقية - وقيامه بالعمل الدبلوماسي في السفارة، قد وضعا، بوعيٍ وحكمة، حدًا لغلوّ وتطرف بعض الطلاب المنتصرين.
أما فيصل محمود وزميلٌ آخر، فقد اختفيا فجأة، ولم يظهرا إلا في صنعاء.
كانت موسكو أحنّ علينا من الوطن، حيث التقينا في ظلالها، أما الوطن فقد شرّق بنا وغرّب، ولم نلتقِ إلا وجدانيًا عن بُعد. مع أني كثير الادعاء بقربي من أهل ردفان الأبطال؛ ومن ذا الذي لا يحب أن يكون قريبًا منهم؟
رحم الله فيصل محمود، وأسكنه فسيح جناته.