الثلاثاء, 16 يونيو 2026
114
في دواوين ومقاهي عدن وعلى أرصفتها التي أنهكها الغبار والنسيان يختصر سكان المدينة تاريخها السياسي بعبارات يغلفها الأسى تارة، والسخرية المرة تارة أخرى. فتسمع الشيخ الطاعن في السن المثقل بذكريات الخيبات كما تسمع الشاب الباحث عن فرصة عمل وهو يقول بنبرة متهدجة:"هذه أيام البدو" أو "هذه أيام المثلث" تماما كما كان الناس بالأمس يقولون عن حقب مضت:"أيام الزمرة" و"أيام الطغمة".
هذه العبارات ليست مجرد توصيفات عفوية بل هي أشعة سينية تكشف العلة المزمنة التي نهشت روح عدن منذ عقود. إنها تلخص حكاية مدينة تحولت في نظر المتنافسين على السلطة إلى غنيمة يتداولها أصحاب القوة، وما إن يستولوا عليها حتى يصبغوها بصبغتهم المناطقية أو القبلية محولين عاصمة التنوير والمدنية إلى ساحة لتصفية الحسابات وتوزيع الغنائم على الأهل والعشيرة.
مأساة عدن تكمن في أن من يحكمها غالبا ما يكون أصغر منها بكثير، أصغر من تاريخها العريق وأضيق من أفقها الثقافي. فهذه المدينة التي استوعبت في القرن الماضي شتى الأعراق والأديان والثقافات وجعلت من القانون حكما بين الجميع وجدت نفسها فجأة محكومة بعرف القبيلة وعقلية القرية حيث تعد الوظيفة العامة والمنصب الإداري حقا حصريا للمنتمين إلى جغرافيا أو قبيلة بعينها.
وحين تغيب العدنية بمفهومها الحضاري والمدني والمؤسسي يغيب معها معيار الكفاءة، ويصبح الولاء والمحسوبية والمناطقية المعيار الوحيد للترقي والتمكين. ونتيجة لذلك دفع بأبناء المدينة المؤهلين وخريجي جامعاتها وكوادرها الإدارية إلى الهامش ليحل محلهم أصحاب القرار الجدد الذين لا يملكون من مؤهلات الإدارة سوى صلة القرابة أو بندقية الصراع.
السؤال الذي يتردد في وجدان كل عدني غيور هو: متى سنقول بملء الفم وراحة الضمير هذه أيام عدن؟ أيام العدالة والإنصاف والكفاءة؟.
لن ننطق بهذه العبارة إلا إذا حدثت ثورة وعي حقيقية تقلب هذه الموازين البائسة، ويتم تمكين أبناء عدن من إدارة شؤون مدينتهم فتتحرر الوظيفة العامة من المحاصصة المناطقية ويصبح معيار التمكين هو الكفاءة والاستحقاق ويقاس المسؤول بما يحمله في عقله من خطط وبرامج ومؤهلات، لا بما تحمله بطاقته الشخصية من لقب أو جغرافيا.
وسيكون ذلك حين يصبح الجميع من قمة الهرم إلى قاعدته سواسية أمام النظام والقانون وتتوقف عقلية الاستقواء بالقبيلة أو السلاح التي دمرت السلم الأهلي في المدينة.
عدن ولادة بالكفاءات في الاقتصاد والقانون والإدارة والهندسة وإنصافها يبدأ بتسليم دفة مؤسساتها لهؤلاء الخبراء ليعيدوا بناء ما خربته عقول الحروب. كما أن على النخب الحاكمة أيا كانت أن تدرك أن شرعيتها لا تستمد من انتمائها المناطقي ولكن من حجم الإنجاز ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات وبسط الأمن.
إن التاريخ يعلمنا أن المدن الكوزموبوليتانية (العالمية) مثل عدن قد تمرض وقد يفرغ مضمونها الحضاري مؤقتا لكنها لا تقبل الاندماج في الوعي الضيق. لقد جربت عدن أيام الجميع ودفع الجميع ثمن هذا الإقصاء المتبادل حروبا ودماء ودمارا.
واليوم لم يعد هناك متسع لمزيد من التجارب الفاشلة. إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب الشجاعة للاعتراف بأن أيام العدالة والإنصاف ليست ترفًا ولا مطلبًا فئويًّا لأبناء عدن وحدهم وهي طوق النجاة لكل من يريد بناء مستقبل مستقر ومزدهر.
لقد حان الوقت لتنتهي أيام الفئات وتبدأ أخيرا أيام الدولة.