أخر تحديث للموقع
الأربعاء, 17 يونيو 2026 - 12:24 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • أمّا أن يتوحّد الجنوبيون الآن أو تتهاوى ما تبقّى من أطلال الجنوب

    نبيل خالد ميسري




    لم يعد الخطر على الجنوب في ما يُحاك له من الخارج فقط، بل في أن استمرار صراعات بعض مكوناته وزعاماته قد لا يفضي هذه المرة إلى مجرد إضعاف القضية، بل إلى انهيار ما تبقّى من الجنوب نفسه في لحظة إقليمية يعاد فيها رسم التوازنات والمصالح بسرعة. فالمنطقة تدخل طورًا جديدًا، وما بعدها لن يكون كما قبلها، ومن لا يحسن ترتيب نفسه في الوقت المناسب سيفاجأ بأن الآخرين قد رتبوا له موقعه ومستقبله من دون أن يكون له رأي حقيقي في ذلك.

    إن الجنوب اليوم لا يواجه خلافات عادية بين أطراف متعددة، بل يقف أمام لحظة فاصلة: إما أن ترتفع المكونات والزعامات إلى مستوى المسؤولية، فتقبل بعضها بعضاً ضمن شراكة جديدة عادلة، وإما أن تظل أسيرة ميراث الصراع والحسابات الضيقة، حتى يأتي الحوار أو الترتيب القادم والجنوب ما يزال متفرقًا، فتُفرض عليه صيغة لا يملك أحد بعد ذلك منعها أو تعديلها.

    لقد أُنجزت بالفعل أرضية مهمة لا يجوز التفريط بها: رؤية واضحة، ووثائق متكاملة، ومبادئ منظمة، ومواد مكملة يمكن البناء عليها فورًا. وهذه ليست أوراقاً عابرة، بل قاعدة جاهزة إذا توفرت الإرادة. وإذا كان لدى أحد ما هو أفضل أو أوسع قبولاً أو أشد قدرة على الجمع، فليتقدم به سريعاً، لا ليهدم ما أُنجز، بل ليطوره. أما إبقاء الساحة معلقة بين جهود جاهزة وخلافات غير منتهية، فهو أخطر من الاعتراض نفسه، لأنه يترك القرار النهائي للآخرين.

    والمسؤولية هنا تقع أولاً على المكونات والزعامات الجنوبية. فالشرائح الأوسع من المجتمع باتت أكثر وعيًا بحجم الخطر، وأكثر استعدادًا للمشاركة في صنع مستقبل مختلف، لأنها هي التي دفعت الكلفة الأكبر من التمزق والظلم والانهيار. أما بعض المكونات والزعامات، فما تزال تتعامل مع الجنوب من زاوية الموقع والنفوذ والحسابات الآنية، مع أن المرحلة القادمة لا تعيد أحداً إلى مواقعه السابقة كما كان، بل تفرض شكلاً جديداً: لا يلغي القوى القائمة، لكنه لا يُبقي الجنوب رهينة لها وحدها أيضاً.

    إن مترتبات المرحلة القادمة تجعل الخطر مضاعفًا. فالفاعلون الإقليميون والدوليون لن ينتظروا حتى يحسم الجنوبيون خلافاتهم، بل سيتعاملون مع ما هو قائم أمامهم: واقع مفكك أو واقع منظم. فإذا بقي الجنوب منقسماً، فسيتحول بسهولة إلى ملف يُدار وفق أولويات غير جنوبية. أما إذا نجح أبناؤه في تقديم أنفسهم كمشروع استقرار منظم، فإنهم يملكون عندها فرصة أفضل لفرض حضورهم وحماية قضيتهم.

    ولهذا، فإن المطلوب الآن لا يحتمل التأجيل: تثبيت السقف المشترك، والعمل داخل كل محافظة لتجميع الحد الأدنى، ثم الربط بين المحافظات الجنوبية جميعًا بما فيها الجزر، ثم الاتفاق على آلية تمثيل منضبطة، ثم الدخول إلى أي حوار برؤية أوضح وموقف أكثر تماسكاً. ليس المطلوب إلغاء أحد، ولا شطب أحد، بل قبول الجميع بأن الجنوب أكبر من المكونات، وأبقى من الزعامات، وأن بقاءهم متصارعين على ما تبقّى من مواقع لن يقود إلا إلى خسارة عامة.

    فالجنوب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

    إما أن يصنع أبناؤه لأنفسهم موضعًا محترمًا في الترتيبات القادمة، عبر التفاهم والقبول المتبادل وبناء أرضية جامعة،

    وإما أن يتركوا الآخرين يصنعونه لهم، ثم يكتشفوا متأخرين أن ما فُرض عليهم لم يترك لأحد منهم ما يختلف عليه أصلًا.

    *نائب وزير الخارجية الأسبق

المزيد من مقالات (نبيل خالد ميسري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال