الثلاثاء, 16 يونيو 2026
131
لن يأتي أي اتفاق أمريكي - إيراني بوصفه حدثًا معزولًا، بل سيكون تتويجًا لأشهر من التصعيد العسكري والسياسي الذي أعاد تشكيل التحالفات وكشف عن تباينات واضحة في مواقف دول المنطقة. فالحرب لم تقتصر آثارها على ساحات المواجهة، وإنما كشفت أيضًا اختلافًا في حسابات العواصم الإقليمية وتضاربًا في مصالحها، وهي تحولات لن تنتهي بانتهاء الأزمة، بل ستمتد إلى ملفات المنطقة كافة، وفي مقدمتها الملف اليمني.
وفي الأشهر الأولى من هذا العام، شهد جنوب اليمن تطورات متسارعة أثارت تساؤلات حول مدى ارتباطها بما جرى لاحقًا على المستوى الإقليمي. فقد توالت أحداث دراماتيكية أعادت رسم المشهدين السياسي والعسكري، وخلطت الأوراق داخل القوى المناهضة للحوثيين، الأمر الذي دفع كثيرًا من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الساحة اليمنية كانت تشهد ترتيبات تسبق أي تسوية سياسية محتملة، أكثر من كونها مجرد تطورات ميدانية فرضتها الظروف.
وفي المقابل، كان لافتًا أن تدخل الحوثيين في المواجهة الإقليمية ظل محدودًا مقارنة بحجم التصعيد الذي شهدته المنطقة، رغم خطابهم السياسي الداعم لإيران، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ذلك نابعًا من حسابات داخلية أم من تفاهمات غير معلنة مع أطراف إقليمية. وتتعزز هذه التساؤلات مع ما تردد عن وجود قنوات تواصل بين سلطنة عمان والسعودية والحوثيين خلال الأشهر الماضية، بما يوحي بأن تلك الاتصالات ربما تجاوزت إدارة الأزمة إلى تهيئة مرحلة جديدة يُعاد فيها ترتيب المشهد السياسي في اليمن وفق معادلات إقليمية مختلفة.
ويبقى السؤال الأكبر: ماذا بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني؟ وهل ستكتفي الولايات المتحدة بدعم تهدئة تحول دون اتساع رقعة الصراع، أم أنها ستسعى أيضًا إلى التأثير في شكل التوازنات داخل اليمن؟ كما يبرز تساؤل آخر بشأن مستقبل القوى الجنوبية ودورها في أي تسوية سياسية قادمة، ومدى قبول القوى الدولية والإقليمية بإعادة تشكيل المشهد الداخلي وفق الترتيبات التي أفرزتها التطورات الأخيرة. فالتباين الذي ظهر في مواقف دول المنطقة خلال الأزمة مع إيران قد ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل التحالفات داخل اليمن.
في النهاية، قد يشكل الاتفاق خطوة نحو تهدئة إقليمية، لكنه لا يعني بالضرورة اقتراب السلام في اليمن. فآثاره ستنعكس على توازنات المشهد اليمني خلال المرحلة المقبلة، وقد تكشف الأيام طبيعة موقف الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من التحولات التي شهدها اليمن، ولا سيما في الجنوب، بالتزامن مع انشغال المنطقة بالصراع مع إيران. فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الكبرى تعيد توزيع النفوذ أولًا، لكنها لا تصنع السلام إلا عندما تتوافر إرادة وطنية لبناء دولة تتسع للجميع. ولذلك يبقى السؤال الحقيقي: هل سيمهد هذا الاتفاق لتسوية سياسية شاملة، أم أنه سيكون مجرد محطة في مسار إعادة تشكيل التوازنات داخل اليمن؟.