الثلاثاء, 30 يونيو 2026
111
الخلاف الجنوبي الجنوبي، ومصطلح الحوار الجنوبي الجنوبي، هي تعبيرات باتت تتردد كثيرًا في المشهد السياسي، لكنها في جوهرها تجاوزت حدود الأهداف الكبرى لشعب الجنوب، وانحرفت في كثير من الأحيان نحو مسارات مرتبطة بالمصالح الذاتية أكثر من ارتباطها بالمشروع الوطني العام. هذه المصطلحات لم تعد تعكس حقيقة المزاج الشعبي بقدر ما تعكس حالة من التباين في الوسائل، وربما تضخمًا في الطموحات الشخصية لدى بعض الفاعلين، وهو ما يستدعي إعادة قراءة هادئة وموضوعية للمشهد.
دعوني أروي لكم حكاية قديمة تحمل دلالة مهمة. في عام 2007، قام أحد تجار الجنوب بتمويل استبيان ميداني شمل عينات من أبناء الجنوب في المحافظات الست، وقد أشرفت على هذا الاستبيان شخصيًا مع كوكبة من أساتذة العلوم السياسية والإعلام وعلم الاجتماع، حيث حرصنا على أن يكون العمل قائمًا على أسس علمية دقيقة، تتوفر فيه معايير الحيادية والمصداقية في جمع البيانات وتحليلها. وعند تفريغ النتائج، ظهرت أرقام واضحة لا تحتمل التأويل: 86 % من المشاركين عبّروا عن رغبتهم في فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية، ولكن بمضامين جديدة تواكب تطلعات العصر. في المقابل، أيد 6 % فقط استمرار وحدة اليمن، بينما فضّل 8 % خيار الاستقرار والتنمية بغض النظر عن شكل الدولة.
هذه النتائج، رغم مرور السنوات، لا تزال تعكس إلى حد كبير جوهر المزاج الشعبي في الجنوب، وهو مزاج يميل بوضوح نحو استعادة الدولة، لكنه في الوقت ذاته لا يغفل أهمية بناء نموذج مختلف يحقق العدالة والاستقرار والتنمية. ومن هنا، فإن الحديث عن “خلاف جنوبي جنوبي” على مستوى الهدف يبدو غير دقيق، لأن الغالبية الساحقة متفقة على الغاية النهائية، وإنما يكمن الاختلاف الحقيقي في الوسائل والأساليب والآليات.
الاختلاف في الوسائل أمر طبيعي، بل وصحي، وهو سمة ملازمة لأي مجتمع أو حركة سياسية في العالم. فلا توجد تجربة سياسية خالية من التباينات في الرؤى حول كيفية الوصول إلى الهدف. المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، بل في طريقة إدارته. حين يتحول الاختلاف إلى صراع، أو إلى حالة من التشكيك والتخوين، فإنه يفقد طبيعته الإيجابية ويتحول إلى عبء يعيق تحقيق الأهداف.
إن تضخيم مصطلح “الخلاف الجنوبي الجنوبي” يخدم في كثير من الأحيان أطرافًا لا ترغب في رؤية الجنوب موحدًا حول قضيته، كما أنه يمنح الانطباع بوجود انقسام عميق في حين أن الواقع يشير إلى توافق واسع على الهدف، يقابله تباين محدود في الوسائل. لذلك، فإن الأولوية يجب أن تكون لإدارة هذا التباين ضمن إطار وطني جامع، يحترم التعددية ولا يسمح بتحويلها إلى أداة هدم.
الخلاصة الواضحة هي أن الجنوب بحاجة إلى الاستماع الحقيقي لإرادة شعبه، وهي إرادة عبّرت عنها الأرقام والوقائع، وليس فقط الشعارات. تجاهل هذه الإرادة يعني الاستمرار في الدوران داخل نفس الحلقة المفرغة، وهي حلقة لن يستفيد منها لا الشمال ولا الجنوب. أما الاعتراف بها والعمل على ترجمتها إلى مشروع سياسي متماسك، فهو الطريق الوحيد نحو الخروج من حالة الجمود.
وعليه، فإن الجنوبيين ليسوا مختلفين على الهدف بقدر ما هم مختلفون في الطرق المؤدية إليه، وهذا أمر موجود في كل تجارب العالم. التحدي الحقيقي ليس في إنهاء الاختلاف، بل في توجيهه ليكون مصدر قوة لا سبب ضعف، وجسرًا نحو المستقبل لا عقبة في طريقه.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن