الأحد, 16 أغسطس 2026
122
حين يتردد هذا المثل الشعبي العتيق على ألسنة الناس، فإنه لا يستدعي مجرد صورة ميكانيكية بسيطة تتعلق بإصلاح آلة عطلت أو عربة خشبت مفاصلها عن الحركة، بل يستبطن رؤية عميقة لطبيعة الحياة الإنسانية وقوانين الأشياء التي استقرت عليها تجارب الأجيال.
فأصل الحكاية يقف عند المشهد الحسي المباشر؛ فالعربة أو الآلة مهما كانت متينة الصنع وواسعة القدرة على الاحتمال، فإنها تقف حائرة عاجزة إذا جفت مفاصلها من الزيت أو الدهان "السليط"، ولا تنفتح مغاليق طريقها إلا حين يسري الدهان في مفاصلها فيزيل الاحتكاك ويمهد السبيل أمام دورانها السلس المنتظم. من هنا انصهر المثل ليكون تعبيراً صارماً وحكيماً عن حقيقة لا غبار عليها، وهي أن لكل عمل، مهما صغر شأنه، أجراً ومقابلاً، وأنه لا شيء يُبنى على باب المجان المطلق في هذه الدنيا، حتى وإن كان المقابل مؤجلاً إلى أفق معنوي بعيد كأجر الآخرة ونعيم الجنة الذي يُنال ببذل الجهد وصبر النفس.
على المدى الاجتماعي، يلامس هذا المثل عصب العلاقات البشرية ويومئ إلى قواعد التبادل والتقدير المتبادل. فالمجتمعات لا تستقيم أحوالها على عواهنها، والروابط بين الأفراد والمجموعات تحتاج دوماً إلى ما يُديم ليونتها ومرونتها ويمنع جفافها من شوائب الجفاء والمصالح الأحادية. إن التقدير المعنوي، والكلمة الطيبة، والاعتراف بالجهد، والوفاء بالحقوق مادياً، كلها بمثابة الزيت الذي يسكب في مسارات التواصل الاجتماعي ليمضي في طريفه بلا تعثر أو شقاق. وحين يغيب هذا التوازن وتجف ينابيع العطاء المقدر، تتحول العلاقات إلى آلات صلبة تحتك بعنف حتى تتاكل وتتوقف عن أداء وظيفتها الحيوية في التلاحم والتكافل.
أما في المجال السياسي، فإن المثل يكتسب أبعاداً براغماتية ووظيفية واسعة، إذ تتحول الحركة السياسية والإدارية برمتها إلى منظومة معقدة لا تنقاد لروادها ولا تسير نحو غاياتها إلا بوجود المحفزات والمقابلات العادلة التي تضمن ولاء العجلات ودورانها بلا تعطيل. فالمصالح المشتركة، والحوافز المادية والمعنوية، وتوزيع الأدوار بشكل عادل، هي "الدهان" الذي تستمده الإدارة السياسية لتسيير شؤون الدول والمؤسسات. وحين تفتقر السلطة إلى الحكمة في إدارة هذه المحفزات أو تركن إلى سياسة الاستنزاف المجاني لطاقات العاملين والمجتمع، فإن آلة الحكم تصاب بالخشونة والجمود، وتتعثر السياسات في أول منخفض تواجهه، بل وقد ترفض الحركة من أساسها معلنة العصيان الصامت أو التمرد السافل على من أهمل صيانتها.
وعلى الصعيد الثقافي والديني، يتجاوز المثل أفق المنفعة الضيقة ليلامس فلسفة الاستحقاق الإلهي والسنن الكونية الكبرى التي تحكم الوجود. فدينياً، تقرر النصوص أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الجنة نفسها بكل ما فيها من نعيم أبدي إنما هي مقابل مكافئ للجهد المبذول والمجاهدة الصادقة، فكأن العمل الصالح هو دهان الروح الذي ييسر لها طريق العبور نحو الدار الآخرة بلا عثرات.
وثقافياً، يرسخ هذا المبدأ في وجدان الأمة رفض الاتكالية والعبثية، وتأكيد حتمية السعي والكدح لانتزاع الحياة الكريمة، فالحياة لا تعطي أسرارها لمن يقف متفرجاً، بل لمن يدرك متى وأين يضع دهانه لتمضي مركبته بثبات وسط أمواج الأيام المتلاطمة.