الأحد, 23 أغسطس 2026
40
ليست كل كلمة إنصاف دفاعًا، وليست كل كلمة حق مجاملة.
أكتب عن أحمد صالح العيسي لا لأدافع عنه، ولا لأضعه فوق النقد، ولا لأن بيني وبينه مصلحة. أكتب لأن الإنصاف قيمة، ولأن بعض من قدموا كثيرًا لا يسمعون حتى كلمة شكر.
قد نختلف مع العيسي، وقد ننتقد مواقفه وقراراته، وهذا حق مشروع. لكن الاختلاف لا يعني محو ما قدمه، ولا اختزال تجربته في منصب أو ملف واحد.
فحضوره امتد إلى الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتربية والرياضة، وكان له دور داعم خلال سنوات الحرب، حين كانت الدولة ومؤسساتها تواجه ظروفًا استثنائية، ووضع من إمكاناته وخبرته وعلاقاته في خدمة الوطن والمجتمع.
وهنا السؤال الذي ظل يراودني: لماذا تتغير قيمة الرجال عندنا بتغير الظروف؟ لماذا يكون الرجل مطلوبًا عندما تحتاجه الدولة، ثم يتراجع حضوره عندما تتغير موازين السياسة؟ ولماذا لا تكون الخبرة والمواقف والتضحيات جزءًا من معيار اختيار من يشاركون في بناء الدولة؟
والأمر لا يتعلق بالعيسي وحده؛ فهناك كثيرون دفعوا من أموالهم وممتلكاتهم وأمنهم وأقاربهم، ووقفوا مع وطنهم في أصعب أيامه، ثم جاءت مرحلة السلام وكأن الذاكرة أصبحت قصيرة.
في الحرب تظهر معادن البشر، وفي السلام تظهر معايير الاختيار. وحتى في الرياضة، تتكرر المفارقة: إذا نجح المنتخب، كان النجاح نتيجة منظومة كاملة، وإذا أخفق، قد يصبح رئيس الاتحاد في مقدمة من تُلقى عليهم المسؤولية. لا أدافع عنه، ولا أعفيه من النقد، لكنني أسأل: هل هذا هو العدل في توزيع المسؤولية؟
ثم هناك الجانب الذي لا يراه كثيرون.
من اعتاد أن يقضي حوائج الناس قد يصل يومًا إلى سؤال مؤلم: من يقترب مني لأنني أنا، ومن يقترب لأنني أستطيع أن أفعل له شيئًا؟
أن تكون سببًا في قضاء حوائج الناس نعمة، لكن الإنسان يبقى بحاجة إلى من يقف بجانبه بلا طلب، ولا مصلحة، ولا انتظار.
إلى شخص يقول له ببساطة: أنا هنا لأنني أقدّرك، لا لأنني أحتاج منك شيئًا. لذلك لا أكتب اليوم لأطالب بمقعد لأحد، ولا لأمنح أحدًا صك براءة.
أكتب كلمة إنصاف لإنسان قدم الكثير لوطنه ومجتمعه، ولم يحصل ربما على ما يكفي من كلمات الشكر والعرفان.
فالمناصب تتغير، والسياسة تتبدل، والنتائج تأتي وتذهب، لكن الفضل لا ينبغي أن تمحوه الأيام. والدولة التي تطلب من أبنائها التضحية من أجلها، يجب أن تكون أول من يعرف قيمة من ضحوا. ومن يجلس على مقعد الدولة يجب أن يكون أكبر من المقعد، لا أن يكون المقعد أكبر منه. وفي النهاية، قد لا نملك لمن أعطى كثيرًا إلا كلمة واحدة: شكرًا… لقد رأينا ما قدمت.. ويبقى الأثر.