منذ سنوات، ظل الحديث عن استقرار المحافظات المحررة واحدًا من أبرز الأهداف التي ترفعها الشرعية والقوى السياسية والحكومات المتعاقبة، باعتبار الاستقرار أساسا لبناء الدولة وتحسين حياة المواطن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم.. أين هو هذا الاستقرار الذي ينتظره المواطن؟
فالمواطن في المحافظات المحررة لا يقيس الاستقرار بالتصريحات والاجتماعات والخطب الاخرى وإنما بما يلمسه في حياته اليومية. والاستقرار بالنسبة له يعني كهرباء منتظمة، ووقوداً متوفراً، وغازاً منزلياً بلا أزمات، ومياها تصل إلى المنازل، وطرقات صالحة، ومدارس ومستشفيات تعمل، وموظفاً يتقاضى راتبه بانتظام.
وعلى أرض الواقع، ما زالت الأزمات تتكرر بصورة مستمرة عام بعد الاخر أزمة في المشتقات النفطية والغاز، وانقطاعات خانقة في الكهرباء، وعدم انتظام تزويد محطات الوقود، وطرقات أنهكتها الحفر والكثبان الرملية وأصبحت في بعض المناطق بحاجة إلى إعادة تأهيل عاجلة.
ولا تتوقف المعاناة عند الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى التعليم والصحة والمياه، وإلى أوضاع الموظفين والجنود الذين ينتظرون رواتب منتظمة تتناسب مع متطلبات الحياة، في ظل ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة. كما أن هناك شكاوى من تفاوت فرص الابتعاث والمنح الدراسية والتعليم العالي والعبايات في الطرق وهي قضايا تمس مستقبل الناس والشباب ومستقبل البلد بأكمله.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة، بعيداً عن المزايدات السياسية.. من المسؤول عن استمرار وادارة هذه الأزمات؟
هل المشكلة في الشرعية ومؤسساتها، أم في الحكومة وأجهزتها، أم في القوى المحلية التي تدير المحافظات المحررة، أم أن هناك تداخل مصالح وصراعات تجعل البلد والمواطن هو الحلقة الأضعف؟
فالناس في مجالسهم لا يتحدثون عن المناصب ولا عن البيانات السياسية بقدر ما يتحدثون عن لقمة العيش، والكهرباء، والراتب، والوقود، والماء، والطريق، والمدرسة والمستشفى. هذه هي القضايا التي تصنع شعور المواطن بالأمن والاستقرار، وهي في الوقت نفسه معيار نجاح أي سلطة تدعي أنها تعمل من أجل الناس.
إن استمرار الأزمات دون حلول جادة لا يضعف ثقة المواطن بالسلطة فحسب، بل يخلق شعوراً خطيراً بأن هناك من يدير الأزمات بدلاً من إدارة الدولة، وأن ما كان يفترض أن يكون مرحلة مؤقتة من المعاناة يتحول إلى واقع دائم.
المواطن في المحافظات المحررة لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد دولة يشعر بوجودها في حياته اليومية، ويريد خدمات أساسية، وراتبا منتظمًا، وطريقًا آمنًا، وكهرباء وماء وتعليماً وصحة، ويريد أن يرى ثمار ما يسمى بـ«التحرير» في حياته ومعيشته.
ولهذا فإن الحديث عن استقرار المحافظات المحررة يجب ألا يبقى شعاراً سياسياً، بل أن يتحول إلى مشروع عملي واضح، له مسؤوليات محددة ونتائج ملموسة ومحاسبة حقيقية.
فمن حق المواطن أن يسأل، ومن واجب المسؤول أن يتحمل المسؤولية أمام الله ويجيب.. لماذا لم يتحقق الاستقرار حتى اليوم..! ومن يقف خلف استمرار هذه الأزمات؟
إنها أسئلة الشارع، وليست أسئلة الخصومة السياسية، والإجابة عنها لا تكون بالكلام، وإنما بما يراه المواطن في واقعه كل يوم.