أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:39 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​صرخة لإنقاذ مستقبل الوطن.. هل ندرك حقًا ماذا يحدث لأبنائنا؟

    عبدالله عبدالولي ناشر




    ​إن ما يجري للتعليم في بلادنا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، ولا مشكلة يمكن تأجيلها حتى تنتهي الحرب أو تتحسن الأوضاع الاقتصادية. ما يحدث أخطر من ذلك بكثير؛ إنه استنزاف بطيء لمستقبل أمة بأكملها.

    كانت عدن، وكثير من مناطق الجنوب، من أوائل المناطق التي عرفت التعليم الحديث منذ القرن التاسع عشر، و تحديدا منذ قدوم بريطانيا إلى عدن في عام 1839واستمرت مسيرة التعليم في التطور والتحديث لعقود طويلة. وكان التعليم أحد أهم الأسس التي صنعت أجيالاً متعلمة على امتداد حواليّ قرنين من الزمن حيث أسهمت في بناء المجتمع والدولة.

    لكننا اليوم نقف أمام مشهد مؤلم ومخيف.
    مدارس بلا معلمين، ومعلمون بلا حياة كريمة، وطلاب بلا تعليم منتظم، وأسر عاجزة عن تحمل أعباء الدراسة.

    لقد وصلت أوضاع المعلمين إلى درجة أصبح معها الراتب، في كثير من الحالات، عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات الأسرة. وليس من العدل أن نطلب من المعلم أن يحمل رسالة بناء الأجيال بينما هو عاجز عن تأمين احتياجات أطفاله.

    وعندما يضطر المعلم إلى الغياب أو ترك مهنته والبحث عن عمل آخر لكي يطعم أسرته، فإن الخاسر الحقيقي ليس المعلم وحده؛ إنه الطفل، والأسرة، والمجتمع، والوطن كله.

    والأخطر أن جيلاً من الأطفال والشباب بدأ يفقد فرصته في التعليم. بعضهم ترك المدرسة بسبب الفقر، وبعضهم بسبب غياب المعلمين، وبعضهم فقد الأمل في أن يكون التعليم طريقًا إلى مستقبل أفضل.

    وهنا يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: إلى أين نحن ذاهبون؟
    هل يمكن أن نطلب من بلدٍ فقد التعليم أن يخرج من دايرة الفقر؟
    هل يمكن أن نبني اقتصادًا قويًا من دون تعليم؟
    هل يمكن أن ننتظر أطباء ومهندسين وقضاة وعلماء ومعلّمين أكفاء إذا حُرم أطفالنا اليوم من التعليم؟
    الجواب واضح: لا.

    الأمم لا تسقط فجأة. تبدأ الكارثة عندما تتهاوى مدارسها، ويُهان معلموها، وينقطع أبناؤها عن التعليم، ثم يصبح الجهل أمرًا طبيعيًا في حياة الناس.

    إن استمرار هذا الوضع يعني أننا لا نسرق من أطفالنا حاضرهم فقط، بل نسرق منهم مستقبلهم أيضًا.

    ولهذا فإن إنقاذ التعليم يجب أن يصبح أولوية وطنية قصوى، لا شعارًا في الخطب والبيانات. يجب أن يحصل المعلم على راتب يحفظ كرامته ويؤمّن لأسرته حياة مقبولة، ويجب أن تعود المدارس إلى أداء رسالتها، وأن يحصل كل طفل في البلاد على حقه الطبيعي في التعليم، أياً كان مكانه أو وضع أسرته.

    وهنا تقع مسؤولية الجميع.
    مسؤولية الدولة والسلطات، ومسؤولية المجتمع، ومسؤولية الآباء وأولياء الأمور، ومسؤولية المثقفين والأكاديميين، ومسؤولية كل إنسان يؤمن بأن لهذا الوطن مستقبلًا.

    علينا أن نرفع أصواتنا قبل أن يصبح الصمت جريمة بحق أبنائنا.
    أيها الآباء والأمهات: لا تسمحوا بأن يصبح تعليم أبنائكم آخر اهتماماتنا.
    أيها المعلمون: أنتم لستم موظفين فقط؛ أنتم حماة مستقبل الوطن.

    أيها المسؤولون: إنفاق المال على التعليم ليس عبئًا على الدولة، بل هو أعظم استثمار في مستقبلها.
    وإلى المجتمع كله أقول: استيقظوا قبل فوات الأوان.

    فالأزمات الاقتصادية يمكن علاجها، والبنية التحتية يمكن إعادة بنائها، والطرق والمباني يمكن إصلاحها، لكن السنوات التعليمية التي تضيع من عمر الطفل لا يمكن استعادتها.
    إن الطفل الذي يفقد عامًا من التعليم اليوم قد يدفع ثمن ذلك طوال حياته.

    وإذا تركنا جيلًا كاملًا ينشأ بعيدًا عن المدرسة والمعرفة، فلا ينبغي أن نتساءل غدًا: لماذا انتشر الفقر والجهل والتخلف؟
    السبب سيكون أمام أعيننا: لأننا سمحنا للتعليم أن ينهار ونحن نتفرج.

    إنقاذ التعليم ليس قضية وزارة التربية وحدها، وليس مسؤولية المعلم وحده، وليس ترفاً يمكن تأجيله إلى أن تنتهي الحرب.
    إنقاذ التعليم هو إنقاذ للوطن.

    وإذا أردنا حقًا أن نضع الوطن على طريق النهوض، فعلينا أن نبدأ من المكان الصحيح:
    من المدرسة.
    من المعلم.
    من الطفل.
    من الكتاب.
    من العلم.

    فالأوطان قد تخسر معركة وتنهض، وقد تخسر اقتصادًا وتعيد بناءه، لكنها إذا خسرت تعليم أبنائها فإنها تخسر مستقبلها.
    فلنصحو قبل أن تضيع الأمة و مستقبلها. 
    * أستاذ جراحة/ متقاعد

المزيد من مقالات (عبدالله عبدالولي ناشر)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال