أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:57 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الجنوب ملاذ اليمنيين.. مواقف لا تمحوها خلافات السياسة

    حمير سعد الجعفري




    ​للأمانة، هناك مواقف لا يجوز أن تمحوها خلافات السياسة، ولا أن تدفنها سنوات الصراع والانقسام.

    ومن هذه المواقف ما قدمه أبناء الجنوب لليمنيين في مراحل مختلفة من تاريخنا، وما يقدمونه اليوم مرة أخرى في ظل الحرب والنزوح والخوف.

    خلال الأيام الأخيرة، ومع اشتداد المعارك في الساحل الغربي ومناطق من تعز والحديدة، اضطرت آلاف الأسر إلى ترك منازلها والبحث عن مكان أكثر أمانًا. ومرة أخرى كانت عدن ومحافظات جنوبية من أبرز الوجهات التي قصدها الفارون من مناطق المواجهات.

    هذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها عدن والجنوب حاضنة لليمنيين. عندما سقطت مؤسسات الدولة في صنعاء عام 2014، ثم اتسعت الحرب في 2015، أصبحت عدن لاحقًا مقرًا للحكومة المعترف بها دوليًا، واستقبل الجنوب خلال سنوات الحرب أعدادًا كبيرة من اليمنيين القادمين من محافظات مختلفة؛ سياسيين وإعلاميين وموظفين وأسرًا عادية تبحث قبل كل شيء عن الأمان وفرصة لمواصلة الحياة.واليوم يعيد التاريخ المشهد بصورة أخرى.

    الأسر التي تغادر مناطق الساحل الغربي لا تسأل وهي تحمل أطفالها وأمتعتها عن شمال وجنوب، بل تبحث عن الأمان. وعدن، رغم ما تعانيه هي الأخرى من أزمات اقتصادية وضغط على الخدمات والبنية التحتية، تفتح أبوابها لاستقبال موجة جديدة من النازحين.

    وهنا يجب أن نقول كلمة إنصاف: شكرًا لأبناء الجنوب. والأهم أن هذا الموقف يأتي من مجتمع عانى هو الآخر كثيرًا. لأبناء الجنوب مظالمهم وذاكرتهم المؤلمة ومطالبهم السياسية التي يجب الاستماع إليها باحترام ومسؤولية، وليس إنكارها أو اختزالها.

    والاختلاف حول مستقبل الدولة أو شكلها لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بالمواقف الإنسانية النبيلة. كما أن الذاكرة اليمنية تحمل صفحات أخرى من التكافل بين أبناء البلد الواحد. ففي مراحل الصراع السياسي التي عاشها الجنوب سابقًا، وجد كثير من الجنوبيين في مناطق الشمال ملاذًا لهم. واليوم، وفي واحدة من أقسى مراحل التاريخ اليمني الحديث، نرى أبناء الجنوب يفتحون مناطقهم لإخوتهم القادمين من مناطق الحرب.هذه هي اليمن التي تستحق أن نتذكرها.

    لسنا بحاجة إلى استدعاء هذه المواقف من أجل تسجيل نقاط سياسية لصالح الشمال أو الجنوب، وإنما لنقول إن العلاقات بين الشعوب والمجتمعات أعمق من خلافات السياسيين. قد تتغير الحكومات والتحالفات، وقد تختلف المشاريع السياسية، لكن موقف إنسان يفتح بيته لإنسان هارب من الحرب يبقى أكبر من كل تلك الحسابات.

    ما يحدث اليوم يجب أيضًا أن يدفعنا إلى التفكير في مسؤوليتنا تجاه النازحين. استقبالهم وحده لا يكفي. هناك أسر فقدت منازلها ومصادر دخلها، وأطفال تركوا مدارسهم، ونساء وكبار سن وجدوا أنفسهم فجأة في رحلة نزوح جديدة. هؤلاء يحتاجون إلى مأوى وغذاء ورعاية صحية وتعليم وحماية، ويحتاجون قبل كل شيء إلى أن يُعاملوا بكرامة بعيدًا عن أي فرز مناطقي.

    لقد دفعت اليمن كلها ثمن الحرب، من صعدة إلى عدن، ومن الحديدة وتعز إلى مأرب وحضرموت. ولهذا فإن الطريق إلى المستقبل لن يكون ببناء جدران جديدة بين اليمنيين، وإنما بالاعتراف بالمظالم، واحترام الاختلافات، وحماية الإنسان أينما كان.

    ومن خلال ما شاهدناه في كل نكبة تقريبًا، أستطيع القول إن الجنوب كان حاضرًا عند الحاجة، وعدن كانت ولا تزال مدينة تتسع لكثير من اليمنيين عندما تضيق بهم الظروف.
    للجنوب وأهله منا كل التقدير، ولعدن التي حملت فوق أوجاعها أوجاع آخرين كل الوفاء.فالسياسة قد تفرقنا، لكن المواقف الإنسانية تذكرنا دائمًا بأن بين اليمنيين ما هو أكبر من السياسة.

المزيد من مقالات (حمير سعد الجعفري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال