أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:57 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​عدن.. كابوس السقوط الصادم

    م. عبدالناصر صالح ثابت




    ​لو سألت أي شخص بعد أن تحررت عدن في ليلة 27 رمضان 2015: كيف تتخيل وضعها بعد عشر سنوات؟ لقال، من شدة فرحته بذلك النصر الكبير: (عدن ستنافس دبي وجدة في كل شيء).

    كان الفرح كبيراً، والأمل أكبر، والثقة تعانق السماء. كان الجميع يعتقد أن وقت إنصاف عدن قد حان، وأنها ستعود كما كانت؛ جوهرة بيد صائغ ذهب، لا بيد فحّام.لم يكن الناس يحلمون يومها بالمستحيل.

    كانوا يريدون مدينة تستعيد عافيتها، وميناءً ينبض بالحياة، وشوارع آمنة، وكهرباء مستقرة، ومؤسسات تعمل، واقتصاداً يفتح أبوابه أمام الشباب. كانوا يظنون أن الحرب ستكون صفحة مؤلمة تُطوى، وأن البناء سيبدأ من حيث انتهت المعركة.لكن الواقع جاء أكثر قسوة.

    اليوم تبدو عدن مرهقة من سنواتها العجاف، مثقلة بالأزمات، ومحاصرة بتعقيدات السياسة والاقتصاد والأمن. وفي قلب هذا المشهد يقف المواطن البسيط، يبحث عن أبسط مقومات الحياة: راتب منتظم، وكهرباء مستقرة، وخدمات تحفظ كرامته، ومستقبل يستطيع أن يطمئن إليه.

    ولأن عدن ليست بمعزل عن الجنوب، فقد أصبحت حالها صورةً مصغّرةً لما يعيشه الجنوب كله: أزمات متراكمة، ومشاريع سياسية متعددة، ومصالح متعارضة، فيما تتراجع الأولويات التي تمس حياة الناس مباشرة.وبعد عشر سنوات ونيف، يبدو حالنا في الجنوب كحال شخص يقف داخل دائرة من الطين، تحاصره أمواج الفيضانات من كل اتجاه. 

    كل جهة تبدو مخرجاً، لكنها قد تقوده إلى موجة أكبر. لم تعد المشكلة في معرفة الطريق فقط، بل في غياب الأرض الثابتة التي يمكن الوقوف عليها.وهنا يبدأ الكابوس الحقيقي.

    أن تعود عدن إلى ما قبل 2015، ولكن بسقوط صادم أشد قسوة من سابقه، رغم كل تلك التضحيات والصمود والصبر؛ سقوطٌ قد يكون حصيلةً لتراكم الفشل والأزمات وضياع البوصلة.لكن السقوط هذه المرة، إن حدث، لن يكون سقوط مدينة فحسب، بل سقوط حلمٍ عاش عليه جيل كامل، وضحّى من أجله كثيرون، وانتظروا طويلاً أن تتحول تضحياتهم إلى حياة أفضل.

    ولهذا، فإن المؤشرات المقلقة التي تلوح في الأفق تنذر بكابوس قادم من بين الأنين؛ اتسعت المخاوف، وضاقت خيارات النجاة، وأصبح تجاهل الخطر أشبه بالوقوف أمام العاصفة وانتظار وصولها.فالكابوس الحقيقي ليس أن تتأخر عدن عن حلمها عشر سنوات، ولا أن يكون الناس قد اعتادوا على عذاب الخدمات، بعد أن أصبح انقطاع الكهرباء وسائر الخدمات أمراً مألوفاً، وغلاء المعيشة واقعاً لا يثير الدهشة، وانتظار الراتب والخدمات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وكذلك التكيف مع الصراعات المتكررة.

    بل أن تستيقظ ذات صباح، فتكتشف أن الحلم الذي ضحّى من أجله الجميع قد ضاع. فعدن لم تخذلها أحلامها، بقدر ما خذلتها قراراتٌ لم تكن على قدر تضحيات أهلها.لكِ الله يا عدن.. ولك الله يا جنوب.

المزيد من مقالات (م. عبدالناصر صالح ثابت)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال