الأربعاء, 23 سبتمبر 2026
60
ليس أخطر على سبتمبر من أعدائها، بل من الذين يرفعون رايتها بأيدٍ ثم يطعنون مبادئها بأيديهم الأخرى.
ما قيمة أن نملأ الشوارع بالأعلام ووسائل التواصل بالشعارات، ثم نقبل في حياتنا بما قامت سبتمبر أصلا لرفضه؟
أن نهتف للجمهورية ثم نقدس الأشخاص ونتحدث عن المواطنة ثم نبحث عن امتيازاتنا في النسب والمنطقة والقبيلة، ونطالب بدولة القانون ثم نغضب حين يصل القانون إلى من نحب؟
هنا تبدأ الخيانة الحقيقية لسبتمبر.
ثورة 26 سبتمبر 1962 لم تكن مجرد تغيير في شكل الحكم، بل كانت ثورة على فكرة الاستبداد واحتكار السلطة والتمييز بين أبناء الوطن، وفتحا لطريق الجمهورية والحرية والمواطنة والمساواة.
ولم تكن تلك الطريق مجانية فقد دفع آباؤنا وثوار سبتمبر أثمانا باهظة من أعمارهم ودمائهم وأمنهم، وخاضوا معاركهم وهم يؤمنون أن اليمن يستحق دولة يتساوى فيها أبناؤه، لا سلطة تورث ولا وطن يُختزل في أسرة أو جماعة أو منطقة.
ومن أقسى صور الجحود لتضحياتهم أن نحتفل بانتصارهم، ثم نعيد إنتاج ما ثاروا عليه.
فالثورات لا تُخان فقط حين تُحارب، بل حين ينتصر شعارها ويموت مضمونها.
وبعد أكثر من ستة عقود، يحق لنا أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل بنينا الجمهورية التي حلم بها آباؤنا؟
هل أصبح القانون أقوى من النفوذ؟
هل أصبحت المواطنة أقوى من الواسطة؟
وهل أصبح المنصب مسؤولية لا غنيمة؟
إن الوفاء لسبتمبر لا يكون بكثرة الأناشيد، بل بحماية جوهرها: دولة مؤسسات، قضاء مستقل، مواطنة متساوية، قانون فوق الجميع، ومال عام مصان، وسلطة تخضع للمساءلة.
لقد امتلك جيل الثورة شجاعة إسقاط نظام أما مسؤوليتنا اليوم فهي أن نمتلك شجاعة بناء دولة تجعل سقوط الاستبداد دائما لا مؤقتا.
سبتمبر ليست ذكرى نرويها لأبنائنا، بل عهدا يجب أن يعيشوا ثماره.
اليمن للجميع.
الدولة للجميع.
القانون فوق الجميع.
والمواطنة حق للجميع.
والسلطة مسؤولية لا إرث.
ذلك هو الوفاء لتضحيات الثوار وآبائنا وذلك هو سبتمبر التي تستحق أن نورثها لأبنائنا .. لا راية نرفعها يوما، بل دولة يعيشون فيها كل يوم.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد