لنكن صريحين مع أنفسنا، ولنتوقف عن تجميل الحقيقة.

منذ أكثر من عشر سنوات، هناك من يصدر أوامر التقدم من خلف المكاتب والمواقع الآمنة، وهناك جندي يتقدم بجسده نحو الموت.

المسؤول يأمر: تقدّم!

والجندي يتقدم.

يأمر: انسحب!

والجندي ينسحب.

ثم تبدأ الحسابات السياسية، وتُغلق الملفات، وتتغير المواقع، بينما يبقى الجندي وحده في مواجهة الرصاصة.

المسؤول إذا خسر منصبًا، جاءه منصب آخر. وإذا خسر صفقة، عوّضته صفقة. وإذا انتهت مهمته، بقيت له الأموال والاستثمارات والعلاقات.

أما الجندي، فإذا خسر يده أو رجله، فقد يخسر معها مستقبله كله. قد لا يجد علاجًا، ولا راتبًا منتظمًا، ولا من يسأل عن أسرته.

وإذا مات؟ قد تُدفن جثته، ويُدفن معها راتبه ومستقبل أسرته وحقوق أطفاله.

ثم يأتي أصحاب القرار بعد انتهاء المعركة، سالمين، ليجلسوا على الكراسي ويتحدثوا عن النصر، بينما الذين صنعوا ذلك النصر إما تحت التراب، أو على الكراسي المتحركة، أو يبحثون عن حقهم في العلاج والراتب.

هذه هي المفارقة التي تؤلم: الجندي يدفع الثمن، والمسؤول يستلم النتيجة.

نحن لا نعترض على التضحية من أجل الوطن، ولا نبحث عن مبررات للجبن. لكننا نرفض أن تتحول حياة الجندي إلى وقودٍ مجاني لصراعات القيادات.

عشر سنوات وأكثر، ولم تكن المعارك دائمًا مع العدو؛ فقد استنزفتنا معارك داخلية، وصراعات نفوذ، وتقاسم مواقع، وإعادة تدوير للقيادات، واستقطاب لكل من يصلح ومن لا يصلح، بينما بقيت ملفات الشهداء والجرحى والأسرى معلقة، وكأن الإنسان هو الحلقة الأقل أهمية في هذه الحرب.

حتى ملف الأسرى، الذين ينتظرون حريتهم منذ سنوات، يكشف حجم الفجوة بين الكلام عن الكرامة وبين ممارسة المسؤولية.

وهنا أسأل بوضوح: من يحاسب القائد الذي يرسل جنوده إلى الموت دون إسناد؟

من يحاسب المسؤول الذي يقصر في علاج جندي فقد ساقه أو عينه؟

من يحاسب من يترك أسرة شهيد تبحث عن راتب أبيها بعد أن دفعت أغلى ما لديها؟

ومن يحاسب من أخطأ في القرار ثم خرج سالمًا، بينما دُفع ثمن الخطأ من دماء الجنود؟

المحاسبة هنا ليست انتقامًا.

المحاسبة وفاء للدم.

ولا تلوموا الجندي الذي يقول: أريد أن أعود إلى وطن محرر بدل أن أموت ليعود غيري بعد سنوات، فيجد الكرسي جاهزًا والامتيازات محفوظة.

لا تصفوه بالجبان قبل أن تجيبوا عن سؤال بسيط:

ماذا فعلتم له عندما أصيب؟ وماذا فعلتم لأسرته عندما مات؟

أنا لست جبانًا.

أنا فقط لا أريد أن أموت حتى يعيش غيري فوق ما تبقى مني.

أريد وطنًا أضحي من أجله، لا وطنًا تُستغل فيه تضحياتي ليجلس آخرون فوق الكراسي.

أريد قيادة تتقدم مع جنودها، لا قيادة ترسلهم إلى الموت من خلف الشاشات.

أريد أن أعرف أن الرصاصة التي قد تقتلني لن تكون ثمنًا لمنصبٍ جديد لشخصٍ آخر.

عيشوا الواقع كما هو، لا كما يُراد لكم أن تروه.

فالشعب المطحون لم يعد يحتمل مزيدًا من الشعارات.

يريد حقيقة.

يريد عدالة.

يريد محاسبة.

ويريد أن يعرف: من الذي دفع ثمن هذه الحرب؟ ومن الذي قبض ثمنها؟

أما دماء الجنود، فلا ينبغي أن تكون سلمًا يصعد عليه أحد إلى الكرسي.

فالذي يأمر بالموت، يجب أن يكون أول من يُسأل عن الدم.

رئيس شبكة محامون ضد الفساد