كلما تأملت تاريخ المرأة اليمنية، وجدت أن هناك حكايات كثيرة لم تُروَ بعد، ونساءً أسهمن في بناء أسرهن ومجتمعاتهن دون أن تُذكر أسماؤهن. فمنذ أجيال، كانت المرأة حاضرة في البيت والحقل والسوق والتعليم والعمل، تحمل المسؤوليات وتواجه التحديات وتشارك في صناعة الحياة. ولهذا أرى أن السؤال ليس متى بدأت المرأة تشارك في بناء المجتمع، بل لماذا لم ننصف دائمًا حجم مشاركتها؟.
ولعل ما يشغلني أكثر هو أن نعرف كيف عاشت جداتنا وأمهاتنا، وماذا تعلمن، وكيف واجهن ظروف الحياة، وما القيم التي تركنها لنا. فالتاريخ ليس أسماءً وأحداثًا فقط، بل تجارب إنسانية تمتد آثارها من جيل إلى آخر. ومع تقديرنا لكل ما قدمته النساء، علينا ألا نجعل من صبر المرأة على الصعوبات سببًا لقبول استمرارها، ولا من تضحياتها مبررًا لتأجيل حقوقها.
وأؤمن أن المساواة بين الرجل والمرأة ليست منافسة بينهما، وإنما شراكة تقوم على العدل والاحترام وتكافؤ الفرص. فالروح لا جنس لها، وكذلك الحكمة والكرامة والصدق والشجاعة والقدرة على العطاء. وما أجمل أن ينشأ الطفل في أسرة يرى فيها والديه يتشاوران ويتعاونان، ويتعلم أن احترام المرأة لا ينتقص من مكانة الرجل، بل يرفع من مكانة الأسرة كلها.
وحين أفكر في اليمن وما عاشته أسرنا من سنوات الحرب، أجد أن الحديث عن المرأة لا ينفصل عن الحديث عن السلام. فكم من أم حاولت أن تحافظ على تماسك أسرتها وسط الخوف والنزوح والفقد، وكم من امرأة واصلت التعليم والعمل ورعاية الآخرين رغم قسوة الظروف. ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن نتأمله: كيف يمكن أن نطلب من المرأة أن تتحمل آثار الحرب، ثم لا نمنحها مكانها المستحق في صناعة السلام؟.
إن السلام الذي نتمناه لليمن لا يقتصر على توقف القتال، بل يمتد إلى بيوتنا ومدارسنا وعلاقاتنا اليومية، إلى الطريقة التي نربي بها أبناءنا وبناتنا على الحوار والإنصاف واحترام الاختلاف. فالمرأة والرجل شريكان في مسؤولية التربية والبناء، وكلاهما قادر على أن يغرس المحبة أو التعصب، التعاون أو الإقصاء.
وأتمنى حين تقرأ بناتنا يومًا تاريخ نساء اليمن، ألا يجدن فيه حكايات الألم والصبر وحدها، بل يجدن أيضًا العلم والعمل والشجاعة والمشاركة في بناء السلام. وأن يكبر أبناؤنا وهم يدركون أن قوة الرجل لا تكون في إسكات المرأة، ولا قوة المرأة في إقصاء الرجل، وإنما في قدرتهما على أن ينهضا معًا.
ولعلّ أجمل وفاء نقدمه لنساء الأمس هو أن نمنح نساء اليوم فرصًا أوسع، وأن نترك لبنات الغد مجتمعًا أكثر عدلًا وسلامًا.
ودمتم مؤمنين بأن الأسرة هي الوطن في صورته الصغيرة؛ فإذا تعلمنا فيها المساواة والإنصاف والمحبة، وضعنا أول حجر في بناء يمنٍ يتسع للجميع، ويعود سعيدًا بأبنائه وبناته معًا.