ما يجري على أرض الواقع يتنافى مع أبسط قواعد إدارة المعارك. فكيف لرئيس أن يعلن التعبئة والنفير، وبعد أيام نجد مواقع مهمة في الجغرافيا، وبالذات في الساحل الغربي وتعز، تسقط بيد الحوثيين، فيما تنسحب القوات التابعة للشرعية وتسلّم مواقعها دون قتال؟ وفي الإعلان الثاني عن بدء معركة «فجر اليمن»، تتم دعوة القوات الجنوبية لاسترداد تلك المواقع التي سبق أن حرّرتها منذ بداية الحرب عام 2015.
وبينما تخوض هذه القوات معارك شرسة وتقدّم التضحيات من أبناء الجنوب، نجد إعلام الشرعية وإعلام التحالف ينسبان هذه الانتصارات إلى القوات اليمنية التي أخلت مواقعها وانسحبت وتركتها للحوثيين. بأي منطق يفكّر هؤلاء؟ وكيف يمكن الاستهتار بدماء أبناء الجنوب التي أُريقت في معارك ليست معاركهم، وعلى أرض ليست أرضهم، بينما بقية الجبهات، وعلى الأخص مأرب والجوف، تعيش في سبات عميق؟
إن إدارة المعارك بهذه الطريقة تمنح الحوثيين قدرة كبيرة على المناورة بقواتهم، واستخدامها في الاتجاه الذي يناسبهم. لكن المنطق العسكري يفرض على قيادة العمليات فتح جميع الجبهات، وحشد كل الطاقات المتاحة لديها، عسكريًا وشعبيًا، والبدء بعمليات عسكرية وتحريك المقاومة الشعبية بهدف إسقاط الحوثيين وتدمير قواتهم وتكبيدهم خسائر كبيرة. ومن المهم إرباكهم وتشتيت قواهم العسكرية.
ومن جانب آخر، ينبغي لهذه القيادة أن تعمل على تعزيز الثقة بين مختلف القوات التي تقاتل في الميدان، وألّا تستفزّها بأي حال من الأحوال، كما يحدث حاليًا مع القوات الجنوبية وقوات الصبيحة التي تقاتل في الساحل الغربي. وبدلًا من ذلك، يُفترض تنسيق الجهود الحربية بين الجبهات، من خلال تنظيم التعاون فيما بينها، بما يخدم سير المعركة ويقود إلى تحقيق النصر.
إذا كان التحالف والشرعية جادَّين في إسقاط الحوثيين، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر فتح جبهتي مأرب والجوف بالتزامن مع المعارك الدائرة في الساحل الغربي والصبيحة، ومعارك المقاومة الجارية في تعز حاليًا، إلى جانب فتح جميع الجبهات الأخرى.
فجبهتا مأرب والجوف، على وجه الخصوص، تمثلان مفتاح الوصول إلى صنعاء؛ لقربهما منها، ولما تتمتع به القوات التابعة للشرعية فيهما من معرفة بتضاريس الأرض وطبيعة السكان. ومن شأن تحريك هاتين الجبهتين أن يسهم في تسريع الحسم وإنهاء الحرب.
إن الضربات الجوية مهمة جدًا، لكن لا يمكن تحقيق النصر من خلالها وحدها؛ فالنصر يتحقق على الأرض بجهود القوات البرية التي تتولى السيطرة على المواقع وتثبيتها. كما نود التنويه إلى أن إسقاط صنعاء لن يتحقق عبر فتح جبهات بعيدة تخوض معارك منفردة، بل من خلال تكامل الجبهات وتنسيق عملياتها، على أن يكون الجهد الرئيسي منصبًّا على جبهتي مأرب والجوف، بمساندة انتفاضات شعبية من الداخل، لتكون هذه التحركات جزءًا مكمّلًا للخطة الاستراتيجية الرامية إلى الوصول إلى صنعاء بوصفها الهدف النهائي.
وعندها يمكن أن تنتهي الحرب، ويُبعد الخطر عن اليمن، وتُنهى هيمنة المشروع الإيراني عليه، كما تتوقف الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية، وتُستعاد مكانة الأمن القومي العربي.
لقد تساهل البعض مع الحوثيين خلال السنوات الماضية، وظل يماطل في تحرير الأرض وإسقاط صنعاء لأهداف حزبية بحتة، تتعلق باستمرار هيمنته على السلطة، تحت دعاوى وأوهام سياسية لا تزال تعشعش في عقولهم، الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد الحرب أكثر مما ينبغي. لكن خاب ظنهم، وكانت النتيجة أوضاعًا كارثية، كما تكشف عنه الوقائع على الأرض اليوم.
إن إسقاط صنعاء، وفقًا لهذه الرؤية، شرط أساسي لإنهاء الحرب، ومن ثم إنهاء المشروع الإيراني في اليمن، وتأمين السعودية من هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لقد كانت سياسة الشرعية متخاذلة؛ فلم يكن إسقاط صنعاء هدفها الحقيقي، وهو ما صرّح به وزير الإعلام في حكومة الشرعية، وكذلك وزير دفاعها. بل كانت أنظارهم متجهة نحو الجنوب للسيطرة عليه وإبقائه تحت مظلة الوحدة، التي لم يعد لها وجود فعلي، في ظل غياب النظام الجمهوري عن الواقع السياسي كما ينبغي أن يكون.
ومهما تكن المبررات والدعاوى، فإنهم اليوم يواجهون مأزقًا كبيرًا، هم ومن سار في ركابهم؛ إذ باتت شرعيتهم مهددة بالسقوط، في الوقت الذي تمكّن فيه الحوثيون من امتلاك منظومة صاروخية متطورة تهدد المملكة العربية السعودية وما وراءها، كما تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
واليوم، يحاول الحوثيون السيطرة على ما تبقّى من الأراضي في شمال اليمن، الأمر الذي يجعل الحسم في هذه المعركة ضرورة ملحّة وخطوة حاسمة لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
لقد أدّى الجنوب ما عليه، وقدّم للتحالف نصرًا كبيرًا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من بداية الحرب. واليوم، يواصل تقديم التضحيات لتحقيق انتصارات جديدة في استعادة باب المندب ومناطق الساحل الغربي، دافعًا سيلًا من الدماء الجنوبية. ومع ذلك، وكالعادة، لا نرى جدية من جانب الشرعية في التحرك لإنهاء الانقلاب طوال سنوات الحرب.
وهكذا أصبح الجنوب عالقًا بين الطرفين، فيما تحوّلت الأراضي السعودية إلى ميدان تتساقط عليه الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تعيش الشرعية حالة من الاسترخاء، وكأنها في عالم آخر.
أخيرًا، وبمناسبة ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر، نتقدّم بالتهنئة إلى شعب الجنوب بهذه المناسبة العظيمة، ونحيّي الحشد الكبير في ساحة العروض، الذي عبّر عن تمسّك الشعب بأهداف الثورة الجنوبية، وعن إصراره على مواصلة النضال حتى استعادة دولته الجنوبية، وانتزاع حقه في العيش بكرامة.