يُحكى أن فيروز، حين وقفت خائفةً خلف ستار أحد المسارح العالمية، سألت زوجها عاصي الرحباني: "ماذا لو لم يأتِ أحد؟" فأجابها بما معناه: غنّي، ولو الكراسي فارغة.
تأملتُ هذه الحكاية، وفكرتُ في الأم اليمنية التي تخوض كل يوم أعظم حفلات الشجاعة، دون مسرحٍ أو جمهورٍ أو تصفيق.
تلك التي تنام على أصوات القذائف، وتستيقظ لتوقظ أطفالها بابتسامة، وتخبئ خوفها في صدرها كي لا يسكن صدورهم، وتصنع من القليل مائدة، ومن الحكايات وطنًا، ومن حضنها ملجأً حين تضيق الأرض بأهلها.
كم من أمٍّ يمنية غنّت للحياة وبيتها مهدّم، وعلّمت أطفالها الأمل وهي لا تعرف ماذا يحمل الغد، وزرعت في قلوبهم المحبة بينما كانت الحرب تزرع الخوف من حولهم.
فيروز خافت من المقاعد الفارغة، أما الأم اليمنية فتخاف من الأسرّة الفارغة، ومن مقعدٍ على مائدة الأسرة قد لا يعود صاحبه.
وتسهرُ الأمُّ اليمنيةُ الليالي، لا تنتظرُ هديةً ولا خبرًا سعيدًا، بل تنتظرُ صوتَ الباب يُفتح، وعودةَ كلِّ فردٍ من أسرتها سالمًا إلى البيت. تعدُّ أبناءها كلَّ مساء، لا لتعرفَ كم أنجبت، بل لتطمئنَّ أنَّ الحربَ لم تنتزع أحدًا منهم. ولا يهدأ قلبُها حتى تكتمل الوجوهُ حول مائدتها؛ ففي زمن الحرب، تصبحُ عودةُ الأسرة كاملةً إلى البيت أعظمَ انتصار، ويصبحُ اجتماعُ الأحبةِ تحت سقفٍ واحدٍ أجملَ أغنيةٍ للحياة.
نعم هي لا تتوقف عن الغناء للحياة؛ لأن أعظم الشجاعة ليست ألّا نخاف، بل ألّا نسمح للخوف أن يربّي أبناءنا بدلًا منّا.
وما أحوج اليمن اليوم إلى أن نصغي لأغاني أمهاته الصامتة؛ فهناك، خلف كل بابٍ أنهكته الحرب، أمٌّ لا تطلب تصفيقًا، بل وطنًا آمنًا يكبر فيه أطفالها دون خوف.
وإذا كانت فيروز قد انتصرت على خوفها بأغنية، فإن الأم اليمنية تحاول كل يوم أن تنتصر على الحرب بتربية إنسانٍ لا يحملها في قلبه إلى الجيل القادم.
فالأم لا تغنّي لتملأ صمت البيت فحسب، بل لتُبقي في روح الوطن صوت الحياة.