> استطلاع/ وليد الحيمدي

تحتوي معظم العملات التي نتداولها في حياتنا اليومية على كتابات تعبر عن شخصية من حملوها وتداولوها قبلنا، حيث برز هذا الاتجاه بوضوح ولا سيما خلال الفترة الأخيرة لتغدو العملة الورقية اليمنية دفتراً لتوثيق الحسابات وتسجيل كافة العمليات الحسابية، ناهيك عن الخواطر والكلمات الشعرية وهواجس حامليها، إضافة إلى أرقام الهواتف والعناوين والمشاغل اليومية.
ولا تكاد تخلو ورقة نقدية من تلك التدوينات، وكأنها تحولت لدفتر جيب صغير يلازم المواطن في يومياته بحجة عدم توفر مكان لكتابة الأشياء الضرورية والسريعة، وذلك في وقت منع مصرف اليمني المركزي الكتابة على العملة الحديثة، منها المائتين والخمسين ريالا مؤخراً.

ولعل هذه العادة انتشرت بشكل واسع، فمعظم النقود الورقية التي نحصل عليها يومياً من التجار، وسائقي سيارات الأجرة، ومحطات الوقود، ومالكي أفران الروتي كلها قد طالتها تلك الكتابات التي بعضها يفهم والأكثر لا نستطيع تفسيره، فأبرز تلك العبارات للتواصل على الاتصال، وكلمني واتصل بي وغيرها من العبارات، لتضحى العملة الورقية وسيلة مناسبة للعمليات الحسابية والإعلانية، وغيرها.
**الأسباب**
حاولنا معرفة الأسباب التي تدفع الناس إلى الكتابة على العملة الورقية والتي من شأنها أن تشوه العملة وتحولها إلى أشبه ما توكون بورقة عادية لاقيمة لها.
أحمد الدامري
أحمد الدامري
المواطن أحمد عبدالله الدامري أوضح جانب من هذه الأسباب بالقول: “إن ضغوط العمل، والسرعة التي يتطلبها في بعض الأحيان من تدوين كالملاحظات والحسابات التي نواجهها بالصدفة تحتم علينا تدوينها بما في حوزتنا من نقود، وذلك لكونها الوسيلة الوحيدة المتوفرة لدى الشخص”.
وتابع بالقول: “الفلوس التي نتبادلها يومياً مع زبائننا من مشتري الخضار جميعها لا تخلو من الكتابات والأرقام والرسومات والتوقيعات وغيرها”.
ويوضح “كثرت الانشغالات والتعامل المستمر مع الزبائن قد تنسيني الكثير، ولكن عندما أدون الحساب أو المعلومة على العملة من المستحيل أن أنسى أو أخطأ، مع أنني في البداية أرفض قبول العملة التي مكتوب عليها، بالإضافة إلى رفضي التعامل بها، غير أنني اضطريت في الأخير بقبولها كون معظم عملتنا لا تخلو من هذه الكتابة”.
**الضعف المصرفي**
أبو بكر محمد
أبو بكر محمد
من جهته علل أبو بكر محمد سيف أسباب الكتابة على العملة بالقول: “يعد التداول المستمر وبشكل كبير للعملة النقدية هو السبب الرئيس نتيجة لضعف الثقافة المصرفية، كاعتماد الشيكات والدفع الإلكتروني بواسطة بطاقات الصرافات، إضافة إلى وجود بيولوقراطية في قوانين البنك المركزي، والتي تجبر الناس على التحريك النقدي لحساباتهم بدل من التحويل بالشيكات بين البنوك والتي تأخذ عدة أيام لتحصيلها فيفضلون التعامل النقدي عند الدفع من حساب لحساب ببنك آخر ما يزيد الاهتراء والتلف في كل عملية نتيجة تكرار العد”.
**خسائر غير معروفة**
عيسى بن هود
عيسى بن هود
لا يوجد رقم دقيق لخسائر اليمن من مخزونها النقدي بسبب الكتابة عليه وإتلافها، لكن يشير المحلل الاقتصادي عيسى بن هود آل حمدة إلى أنه “ثمة احتياطي عملة ضخم تم تشويهه وإتلافه بطرق متعددة، منها الكتابة والتدوين على النقود الورقية، إضافة إلى تلفها خلال الاستخدام والتداول بطريقة عشوائية”.
ورفض حمدة أن “يرجح رقما تقريبيا للعملة التي تم تشويهها”، لكنه أوضح أن “السبب لا يكمن في الكتابة على العملة وحسب، بل في استمرار التعامل بها”.
ودعا حمدة المسؤولين عن ضخ النقود إلى “وقف الاستعمال بها، والانتقال إلى مرحلة جديدة يتم خلالها إيقاف كل مظاهر الإساءة إلى العملة، بما في ذلك الكتابة والتدوين عليها، ومن يفعل ذلك يلقى العقاب بالتبليغ عليه لأنه ارتكب جريمة، وهي إفقاد النقود قيمتها النقدية، وهذا ما يسهم في تدمير الاقتصاد”.
**تشويه لقيمة العملة**
لا يمكن أن تمر هذه العادة السيئة دون أن تترك آثارها السلبية على العملة، فمن دون شك أن الكتابة على النقود الورقية يشوه قيمة العملة معنوياً، ويعطي انطباعاً سيئاً عن استخدام الشعب لنقودهم بسبب سوء الاستخدام من استخدامها في التدوين إلى وضعها في جيبة القميص بشكل عشوائي إلى بعثرتها و اهترائها.
أنور بامسلم
أنور بامسلم
أنور بامسلم طالب “بضرورة وضع حد فوري لسوء استخدام العملة”، موضحاً في الوقت ذاته أن “الاستهلاك العشوائي للنقود من معظم أفراد المجتمع بدد كل الجهود التي بذلها المعنيون”.
وأشار إلى أن “الخطأ الأكبر هو تطبيق سيناريو الاستخفاف بالعملة على النقود الجديدة، وحمّل بامسلم الجهات المسؤولة عن طرح العملة في الأسواق المسؤولية بسبب غياب القوانين الرادعة والصارمة”.
ولفت إلى أن “عدم قبول المصارف بالعملة المكتوب عليها غير كاف لإيقاف الاستهتار بها، لأن المواطنين سيجدون عدة طرق لتصريفها مثل سائقي سيارات الأجرة ومحطات البترول”.
وتابع بامسلم “لا يمكن التحكم بسير عجلة النقود المتداولة بين المواطنين لكن من الممكن اتخاذ إجراءات صارمة ضد من يقوم بذلك، متسائلاً لماذا لا نجد هذا الاستخفاف بالعملات الأوروبية كالدولار واليورو رغم أنها متداولة في مجتمعنا أيضاً”.
وبحسب بامسلم فإن “قيمة العملة اليمنية بنظر المواطن دون قيمة، وليست مثل العملة الصعبة، وغياب الإجراءات الرادعة هي السبب الأكبر لما وصلت إليه النقود الورقية”.
**الاقتصاد الوطني يعاني**
صلاح العماري
صلاح العماري
تحتوي معظم العملات التي نتداولها على كتابات تعبر عن شخصية من حملوها وصدى الحديث عن الكتابة على النقود قال صلاح أحمد العماري - طالب إدارة بنوك ومحاسبة - عن هذه المعضلة: “إنها كارثة حقيقية يعاني منها الاقتصاد الوطني، فالأوراق النقدية صارت أشبه بلوحة إعلانات، مليئة بعبارات ترحيبية، وأرقام تلفونات، وكـنى أشخـاص، وأشـكـــــال ورسومات تعبيرية”.
ومن خلاله يستعرض عبد الرب السلمي والذي يملك محل صرافة بعض المعالجات التي بإمكانها أن تحد من العبث فيها، من خلال طباعة أوراق نقدية جديدة تتحمل عوامل التعرية والاستخدامات العنيفة، وإلغاء التعامل مع الأوراق التالفة، وإدخال تقنيات جديدة في المجال المصرفي، كالبطائق الذكية البنكية التي يتم استخدامها بواسطة الكمبيوتر مثل مستركارد وغيرها، كما هو حال التعامل الحاصل الآن في بعض البنوك والمصارف الأهلية والحكومية في بلادنا، ويشير إلى
عبد الرب السلمي
عبد الرب السلمي
أن “فئة (50ـ 100) الأكثر إتلافا من غيرها، والسبب بسيط هو تداولاها بين شريحة المجتمع، فلا يخلو جيبك من هذه النقود سواء أن كانت مكتوباً عليها أو ممزقة، ولها رائحة نتنة، وبطبيعة الحال لأن أغلب من تقع في أيديهم يعدون من أبطال العبث من الأطفال وسائقي باصات الأجرة وبائعي اللحوم والدجاج والصيد، فهم أغلب فئة تستخدم هاتين الورقتين، وبالتالي لن ننكر تقصير الكثير بتوعية هؤلاء من المؤسف جداً وجود مثل تلك الانتهاكات للعملة التي تنزلها في منحدر خطير نحو الهوية، وبطبيعة الحال تجعلها تفقد قيمتها كعملة في السوق الدولي.
**ناقلة لعدد من الأمراض**
بدوره عرج العماري على خطورة الظاهرة من جانب صحي بالقول: “يسبب التداول المستمر لهذه العملات إلى نقل بعض الأمراض مثل السل والزكام وغيرها من الأمراض المعدية الخطيرة، وذلك لتعرضها للأيادي المتسخة من قبل بائعي العصيرات وجزاري اللحم والسمك والباعة المتجولين”، ويؤكد أن “البعض يسلمها متعفنة نتيجة وضعها في أماكن متسخة جداً”.
**الأرقام التالفة مهولة**
أشرف  خان
أشرف خان
أشرف محمود خان محاسب في البنك الأهلي اليمني فرع عدن أعاد أسباب تدهور العملة إلى عدم المبالاة من قبل كثير فئات الشعب والتي تشارك في هذا العبث على حد سواء، وأكد أن “الجهات المعنية عملت على نشر الإعلانات العريضة في وسائل الإعلام الجماهيري من بينها الصحف والتلفاز وبعض المنشورات من التحذيرات القصيرة التي تشدد على منع الكتابة على الأوراق والعبث فيها، وتشويهها دون فائدة، لكن لم يكن هناك رادع قوي كالمحاسبة القانونية أو السجن أو الغرامة المالية”.
وأضاف “ما تزال الأرقام التالفة مهولة خاصة لفئات (50 ـ 100) التي تعد أكثر الفئات تداولاً، فالعبث ليس له حد والتالف فقد وصل من تاريخ(2013-11-11) آخر تقرير من البنك المركزي في صنعاء إلى الآن أكثر من 450 مليون و30000 ريال هذا بالنسبة لفئات الألف، أما فئة (50 - 100) ريال فنسبة التالف 90 %، ويعني ذلك أن 10 % سليم فقط، أما بقية النسبة تعاني من إشكال العبث و اللهو في الكتابة على النقود”.
و اختتم حديثه “رغم القرارات التي تمنع من السقوط في نفس هذه الخطأ العملة القديمة، وما تبعه من رفض البنوك للأوراق النقدية التي تحوي كل هذه الكتابات على النقود إلا أن تلوث معظمها ضرب هذه الجهود عرض الحائط، وكأنه لم يحدث شيئاً، وإلى الآن لست أدري لماذا يكتبون على النقود؟!”.