تحل اليوم الذكرى الـ 106 لميلاد عميد "الأيام" محمد علي باشراحيل (1919 – 1993م) أحد أبرز رموز الإعلام في الجنوب العربي وشبه الجزيرة العربية.
كرس الفقيد حياته للنضال من أجل حرية الصحافة والدفاع عن قضايا المجتمع، كان مؤمنًا بأن الصحافة وسيلة تنويرية تهدف إلى التغيير ونهضة المجتمع.


عميد "الأيام" محمد علي باشراحيل
كان الفقيد يحترم مهنته التي ينتمي إليها، وهو ما أكده في افتتاحية صحيفته "الأيام" في العدد العاشر بتاريخ 20 أغسطس 1958م، التزامه بأخلاقيات مهنة الصحافة ورفضه للمهاترات والانتقادات غير البناءة، وحرصه على أن تظل الصحافة مهنة قائمة على المسؤولية وتركيزه على القضايا الحيوية التي تهم المواطنين. عكست كتاباته رؤية إصلاحية تهدف إلى ترسيخ الصحافة كسلطة رابعة مسؤولة، تخدم المجتمع وتحافظ على مهنيتها. وبفضل هذا النهج، أصبحت صحيفته "الأيام" نموذجًا في الدفاع عن الحق والعدالة.
كانت مواقفه من الأحزاب مبنية على الاستقلالية والحياد، حيث كان يرفض التبعية الحزبية والانحياز إلى أي طرف سياسي، خلافا لما كانت عليه معظم الصحف في تلك الفترة. وقد أكد هذا المبدأ بوضوح في افتتاحيته بالعدد (1261) بتاريخ 14 سبتمبر 1962م، حيث قال: "إننا نقولها صريحة لهؤلاء بأننا لا نستهوي الأحزاب ولا تستهوينا هي أيضا، لأننا لا نرى فيها ما يدفعنا إلى السير في ركابها، وإن الطريق الذي نسلكه قد يكون طريقا منفردا بذاته، ولكننا مطمئنون إلى السير فيه ما دمنا لا نروم جاها أو نقصد مكسبا".
كان يرى وفقا لمفهومه أن قدسية الخبر ونقله بحيادية يمثلان جوهر العمل الصحفي الصحيح، لذا رفض بشكل قاطع الخضوع لتوجهات الأحزاب أو الترويج لها.
كما كان يؤمن بأن الصحافة رسالة وليست مجرد مهنة، إذ كان يرى أن العمل المتواصل والإيمان بالدور الصحفي يمكن أن يصنعا النجاح، ولم يكن يتردد في توجيه النقد الضمني للصحفيين الناشئين الذين انحرفوا وراء الحزبية، معتبرا أنهم يفتقرون إلى فهم "الأصول الأساسية للمهنة".
وضع الفقيد إطارا نظريا لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام في عدن، ساعيا إلى ضمانات تحقق الحياد، فقد كانت نظرته إلى الإعلام والصحافة باعتبارهما مؤسستين للخدمة العامة والعلاقات المجتمعية، مركزا على أهمية الحياد والموضوعية في المحتوى المنشور. وكان دائما يشير إلى أن الصحافة والإذاعة ليستا مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل هما جزء من منظومة العلاقات العامة والخدمات المجتمعية.
كما نبه إلى وجود اختلاف أساسي بين الصحافة الرسمية الممولة من أموال الشعب والصحافة التجارية التي تعتمد على التمويل الخاص. وحث بضرورة التزام الصحافة الرسمية بالحياد التام، باعتبارها مؤسسة مملوكة للجمهور، وأن تظل بعيدة عن أي انحياز سياسي أو فئوي.
أعلن موقفه من تأثير قانون حالة الطوارئ، الصادر في مايو 1958، على حرية الصحافة، حيث رأى أن هذا القانون فرض قيودا تحد من حرية الصحافة نتيجة للانفجارات التي وقعت آنذاك، واعتبر أن رفع هذه القيود مرهون بإلغاء حالة الطوارئ التي تسببت في تعرض المواطنين لمضايقات.
كما عبر عن موقفه الرافض بربط حرية الصحافة بتقلبات العلاقات السياسية بين عدن واليمن مؤكدا أن الصحف لا ينبغي أن تتلون وفقًا للعلاقات الحكومية.
يصف محمد علي باشراحيل، علاقة صحيفته "الأيام" بالقارئ بأنها محورية، وهو ما أكده في افتتاحية العدد 621 بتاريخ 16 أغسطس 1960م، حيث أكد على أن بقاء الصحيفة واستمراريتها يعتمدان على القارئ، فهو الذي يمنحها قيمتها ويحدد مصيرها من خلال وعيه واهتمامه. كما أكد على استقلالية الصحيفة، مشيرا إلى أنها لا تعتمد على الإعلانات أو أي توجيه خارجي، بل تستمد قوتها من دعم القارئ وثقته. وفي كلمته في العدد نفسه أوضح أن "الأيام" اكتسبت سمعتها من احترامها لقرائها والتزامها بمبادئ الصحافة كأداة توعوية وإرشادية، تهدف إلى خدمة الحقيقة وتوعية الشعب بواقعه. كما جدّد التأكيد على التزام الصحيفة بالعقيدة القومية ودعمها للحركة العمالية، مشددا على أن مواقفها تأتي تأكيدا لهذا الالتزام، وأنها ستواصل السير في طريق الحق مهما كانت التحديات.
تحمل الفقيد في مسيرته الصحافية مشقة وعناء في نشر آراء الكتاب، وكان يبدي استغرابه من بعض الأشخاص الذين يكتبون نصوصا غير صالحة للنشر. ومع ذلك كان يبذل جهدا كبيرا في إعدادها لتصبح قابلة للنشر، التزاما بسياسة الصحيفة في احترام آراء الجميع.
كان للفقيد رؤية خاصة تجاه مواقف بعض الأشخاص من الصحافة، حيث كان يؤمن بأن الصحافة ليست أداة للهدم أو إثارة الفتن، بل وسيلة لكشف الأخطاء ومساعدة المسؤولين على تجنب الوقوع فيها وأن الصحافة الحرة تعد ركيزة أساسية في نظام الحكم الديمقراطي، وأن على المسؤولين تقبل النقد البناء لما فيه مصلحة الشعب.
رغم التحديات التي واجهها بسبب مواقفه، إلا أنه ظل ثابتا على مبادئه، مدافعا عن الصحافة الحرة والمسؤولة. تجلت هذه المبادئ في افتتاحية كلمته في العدد 117 بتاريخ 9 فبراير 1965م، حيث تناول الفقيد ما تعرضت له صحيفته من متاعب، إذ أُغلقت لأكثر من ستة أشهر بقرار من حكومتي الاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي وعدن. وأوضح أنه سبق أن أُغلقت الصحيفة لمدة مماثلة عقب انتفاضة سبتمبر 1962م. ورغم تلك الصدمات، بقيت صحيفته وفية لمبادئها الوطنية في سعيها نحو الحرية والاستقلال.
وأكد في كلمته أن قيمة الصحيفة لا تقاس بعدد سنوات صدورها، بل بمواقفها الشجاعة تجاه القضايا الوطنية، وهو ما أكسبها إقبالا شعبيا واسعا. كما وجه رسالة إلى حكومتي عدن والاتحاد الفيدرالي، مشددا على ضرورة احترام دور الصحافة الوطنية التي تعمل في ظروف صعبة، وتقدم نقدا بناءً، حتى وإن كان قاسيا، باعتباره جزءا من الديمقراطية.
ودعا باشراحيل إلى تعديل قانون الصحافة الذي استخدم كأداة لقمع حرية التعبير، مطالبا بحماية الصحافة من الإغلاق المتكرر، تقديرا لدورها في خدمة المجتمع ومصلحة الوطن.
من خلال كتاباته يكرر في أكثر من مناسبة مواقفه الثابتة تجاه الصحافة بضرورة ممارسة دورها بحرية في حدود القانون، وأن تستلهم واجباتها من الضمير والمصلحة الوطنية. كما يرفض أي إملاءات خارجية على العمل الصحفي، مؤكدا استقلالية صحيفة "الأيام" ونهجها الوطني. يرى أن صحيفته تحظى بدعم شعبي واسع، ما يعكس مصداقيتها وخطها السليم. وكان يرفض للانصياع لضغوط أو تهديدات من أي جهة تعارض خط صحيفته، معتبرا أن هذه الجهات معادية لإرادة الشعب.
رحل محمد علي باشراحيل، لكن إرثه الصحفي والفكري لا يزال حاضرا، ينير درب الصحافة الوطنية، ويقدم نموذجا يحتذى به في النضال من أجل حرية الإعلام والمسؤولية الصحفية.