> النحري سيف الدين:

في صباحٍ مغبَّر على أطراف قرية "محل يعّر" في ريف محافظة ذمار وسط اليمن، تشقّ أم عبدالرحمن طريقها بين الصخور، تقود حمارًا منهكًا، وعلى جانبيه دبّتان فارغتان من البلاستيك. تسير إلى جانبها ابنتها الصغيرة "حنان"، وعيونهما تترقبان الماء أكثر من الشمس التي بدأت تطلّ من خلف الجبال.

ما يشغل بال الأم ليس حرّ النهار، بل المسافة التي صارت تقطعها يوميًا – 3 كيلومترات في وادٍ وعر – كي تجلب ما يكفي للشرب والغسل من بئر بعيدة، بعد أن جفّت بئر قريتهم.

تلك البئر، التي حفرتها سواعد الأهالي قبل أكثر من عشر سنوات، كانت شريان حياة لـ 65 أسرة. لكنها اليوم صارت حفرة صامتة، يغطيها الغبار وتحيط بها الحسرات،"ما توقعت أشوف بناتي يحملن الدبّات مثلي"، تقول أم عبدالرحمن بصوتٍ تختلط فيه الذكريات بالتعب، "رجعنا خمسين سنة للوراء".

لكن هذا الجفاف لم يكن مفاجئًا، فما يحدث اليوم هو نتيجة سنوات من الزراعة الجائرة، وحفر الآبار دون تنظيم، وإهمال رسمي طال الريف، وحرب أحرقت ما تبقّى من مشاريع البنية التحتية.

وفوق كل ذلك، هناك خطر أكبر لا يُرى بالعين، لكنه يغيّر وجه الأرض ببطء: تغيّر المناخ، وهكذا، بين أرضٍ تشققت من العطش، وآبارٍ لفظت أنفاسها الأخيرة، تبدأ رحلة هذا التحقيق... بحثًا عن الإجابة: لماذا جفّت الآبار؟ من المسؤول؟ وهل يمكن لأمثال أم عبدالرحمن أن يرَين بصيص أمل... قبل أن يجفّ كل شيء؟
  • جغرافيا العطش: ماذا تقول الأقمار الصناعية؟
بين عامي 2010 و2025 ، فقدت محافظة ذمار اليمنية ما يقرب من 28 مترًا من منسوب مياهها الجوفية، بمعدل 1.9 متر سنويًا، وفقًا لبيانات الأقمار الصناعية من مشروع GRACE التابع لوكالة ناسا. هذا الانخفاض المتسارع لا يعكس فقط أزمة إدارة مائية، بل يتقاطع بشكل مباشر مع تأثيرات تغير المناخ في منطقة تُعد من الأكثر هشاشة مائيًا على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


هذا التراجع لا يعكس فقط أزمة مائية، بل انهيارًا بطيئًا في البنية المائية للمحافظة، يُنذر بجفاف المنظومات الزراعية وانهيار سبل العيش القائمة على الضخ الجائر. الصورة ترسم مثلثًا مقلوبًا، ينزلق من ذروة المياه إلى قاع العطش.
  • عندما يجف باطن الأرض... ويتبخر الأمل من السماء
في اليمن، الماء ليس مجرد حاجة يومية، بل شريان حياة يعتمد عليه ملايين الناس في الشرب والزراعة. لكن هذا الشريان بدأ يجف بصمت. فتراجع المياه الجوفية لا يعني فقط تعبئة جالون أصعب، بل يعلن عن تصحّر يتسلل ببطء من تحت الأقدام، تغير المناخ هنا لم يعد خبرًا في نشرة الطقس، بل حقيقة تُعاش كل يوم، وتُحسّ في تفاصيل الحياة. آثاره باتت واضحة بثلاثة مشاهد:


• المطر أصبح نادرًا ومختصرًا: لم تعد الأمطار تهطل كما عهدها الناس، بل تأتي قليلة وسريعة، لا تشبع عطش الأرض ولا تعيد الحياة للآبار.

• الحر يزداد قسوة: مع كل عام ترتفع الحرارة أكثر، فيتبخر الماء من التربة والوديان قبل أن تلمسه يد، أو يستفيد منه زرع.

• سيول بلا فائدة: وحتى حين تمطر، لا يكون المطر رحمة، بل هطول غزير مفاجئ يجرف التربة والماء، ولا يترك شيئًا يتسرب إلى أعماق الأرض.

هكذا، يتغير وجه الريف اليمني، وتبهت ملامحه تحت وطأة مناخ لم يعد يرحم، العطش هنا لم يعد عطشًا فقط... بل تحذير مبكر لما قد يُصبح واقعًا دائمًا إن لم نتحرك اليوم.
  • القات يلتهم الماء: الزراعة غير المستدامة تحت المجهر
في بلد يعاني من شُحّ المياه، تبدو زراعة القات كمن يصب الزيت على نار العطش.

فعند مقارنة استهلاك القات للمياه مع محاصيل مثل البن أو اللوز أو العنب، يظهر الفارق بوضوح: القات يحتاج إلى كميات ضخمة، تُقدّر بخمسة أضعاف ما تستهلكه المحاصيل العادية. بينما البن – الذي كان يُزرع تقليديًا في اليمن – يمكنه النمو بمياه أقل، بل أحيانًا يعتمد فقط على المطر. أما اللوز والعنب، فهما أكثر رحمة بالماء من القات بكثير.

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​رغم أنه يدرك تمامًا أن القات يلتهم كميات هائلة من المياه، لا يزال أسامة الزيداني، مزارع من ريف ذمار، يزرعه دون انقطاع. وعندما تسأله لماذا، لا يتحدث عن السوق أو العادات، بل يختصرها بجملة واحدة: "القات هو ما يطعم عيالي كل يوم".


في نظر أسامة، الأمر ليس خيارًا ولا ترفًا، بل معركة يومية من أجل البقاء. فمحصول القات، رغم استنزافه للماء، يوفّر دخلًا سريعًا ومضمونًا في ظل اقتصاد منهك لا يرحم.

في محافظات مثل ذمار والبيضاء، يستمر المزارعون بزراعة القات رغم شحّ المياه.. لماذا؟ لأنه ببساطة يوفّر دخلًا سريعًا ومضمونًا في ظل اقتصاد منهك، القات أيضًا جزء من نسيج الحياة الاجتماعية في اليمن، وهناك طلب كبير عليه، بل إنه – مقارنة بمحاصيل أخرى – قادر على التحمّل والصمود في وجه الجفاف.

ورغم هذا، القات هو المحصول المسيطر، ويستهلك، بحسب تقديرات، نحو ثلث المياه الجوفية والمتجددة في اليمن.في محافظة ذمار وحدها، يقول الدكتور نبيل العريق، عميد مركز المياه والبيئة والتغيرات المناخية بجامعة ذمار، إن الزراعة تلتهم ما يصل إلى 90 % من الموارد المائية، وتُظهر بيانات الهيئة العامة للموارد المائية أن الزراعة تستهلك ما يصل إلى 90 % من الموارد المائية، بينما لا تتجاوز حصة مياه الشرب والاستخدام المنزلي 10 إلى 15 % فقط.

لكن الأخطر، كما يوضح، أن زراعة القات وحدها تستهلك ما بين 80 إلى 90 % من هذه المياه الزراعية في بعض مناطق المحافظة، رغم أنها ليست محصولًا غذائيًا.

"هنا تكمن الخطورة"، يقول الدكتور العريق،" نحن نستنزف خزانات المياه الجوفية من أجل نبتة لا تُؤكل ولا تُشرب، في وقتٍ لا تستطيع هذه الخزانات أن تعوّض نفسها بنفس السرعة".

هذا النمط من الزراعة لا يُهدد المياه فقط، بل يضع مستقبل ذمار – واليمن كله – على حافة أزمة بيئية واقتصادية لا يمكن التنبؤ بعواقبها.
  • من المسؤول؟
ليست أزمة المياه في اليمن قدرًا مفروضًا، بل نتيجة لمسار طويل من الإهمال والسياسات غير المستدامة، في ظل التغيرات المناخية القاسية، تتحمل السياسات المحلية جزءًا كبيرًا من المسؤولية: غياب التخطيط المائي، قلة مشاريع حصاد الأمطار، واستمرار زراعة محاصيل شرهة للماء – وعلى رأسها القات.

ثم جاءت الحرب، فقوّضت ما تبقى من مؤسسات الدولة، وخلّت الساحة للمجتمعات الريفية لتواجه العطش وحدها، لا دعم، لا رقابة، ولا حلول. فقط صراع يومي من أجل قطرة ماء، ورغم أن تغير المناخ يُسرّع من الجفاف، إلا أن السبب الأعمق يكمن في أيدينا: الحفر الجائر للآبار، الزراعة غير المدروسة، وتحويل المياه الجوفية من مورد جماعي إلى "ملكية خاصة" تتقاسمها المصالح والنفوذ.
  • فوضى تحت الأرض: حين غابت الدولة وتكاثرت الآبار
في ذمار، لا تأتي الكارثة دائمًا من السماء، بل كثيرًا ما تبدأ من تحت الأرض، فوضى الحفر العشوائي ليست مجرد إهمال، بل نتيجة مباشرة لحربٍ عصفت بالدولة وفتحت الأبواب للفوضى. منذ أن بدأت الأزمة، توقفت الرقابة، غابت الخرائط، وأصبحت الأرض مفتوحة لكل من يملك مضخةً وشهوةَ ماء.

يضع الدكتور نبيل العريق إصبعه على الجرح، يقول إن عدد الآبار في المحافظة كان بحدود 5800 بئر في 2008، أما اليوم، فلا أحد يملك رقمًا دقيقًا، لكن التقديرات تشير إلى 6000 وربما 10,000 بئر، معظمها حُفرت دون دراسة أو ترخيص، فقط لهدفٍ واحد: سقي القات.

ورغم هذا المشهد القاتم، هناك بصيص من الأمل، العريق يلفت إلى جهود بدأت مؤخرًا بين السلطة المحلية وهيئة الموارد المائية، بدعم من المحافظة وبعض الجهات الأمنية، لمنع الحفر العشوائي وتنظيم استخراج المياه.

لكن الحقيقة المرة أن تلك الجهود، مهما كانت جادة، لن تصمد إن لم تتحول إلى خطة وطنية طويلة المدى.

لأن الموارد الجوفية لا تصرخ، لكنها تنضب في صمت… وتنهار حين لا ينتبه أحد.
  • المطر لا يكفي: تغير المناخ والاضطرابات البيئية
في اليمن بشكل عام، لم يعد المطر كما كانت، تلك الأمطار التي اعتاد الناس أن ينتظروها بفارغ الصبر — لتسقي الزرع وتنعش الآبار — أصبحت أقل، أقصر، وأكثر اضطرابًا، بيانات الأقمار الصناعية من NASA وNOAA تؤكد ما يراه المزارعون بأعينهم: مواسم المطر تتراجع، وفترات الجفاف تطول وتشتد.

لم تعد الأمطار تهطل برفق وعلى مهل، بل تأتي فجأة، وبغزارة، ثم تختفي. تتدفق كسيول تجرف التربة ولا تمنح الأرض فرصة للشرب، ولا تسمح للماء بالتسرّب إلى باطن الأرض لتغذية خزاناتها العميقة.

ومع كل هذا، ترتفع درجات الحرارة عامًا بعد آخر، فتسرّع تبخّر ما تبقّى من رطوبة، وتحرم التربة من فرصة الاحتفاظ بالحياة. في النتيجة، يختفي الماء بصمت، وتزداد الزراعة هشاشة، وتضيق سبل العيش في الريف.

تغير المناخ هنا لا يضرب بصوت عالٍ، لكنه يُعيد تشكيل الحياة من جذورها، والمشكلة أن الحلول التقليدية — مثل حفر المزيد من الآبار — لم تعد تنقذ، بل ربما تعجّل بالانهيار، إن لم تُدار بعقلٍ ووعي.
  • الثمن الاجتماعي: كيف يدفع المواطنون الفاتورة؟
كانت الآبار تمدّ الناس بالماء بسهولة. لكن اليوم، أصبحت ماكينات الضخ تصمت واحدة تلو الأخرى، وبدأت صهاريج المياه التجارية تحلّ محلها، بأسعار لا يستطيع كثير من السكان تحمّلها.

نضوب الآبار أجبر الكثير من الأهالي على شراء المياه من السوق، حيث ارتفع سعر وايت الماء (3 آلاف لتر) من 2500 ريال إلى أكثر من 8000 ريال خلال السنوات الماضية. جور البوابة الخلفية لمبنى مكتب الضرائب، يقف أحمد الحاج، موظف حكومي منذ أكثر من 3 عقود، يراقب وايت الماء وهو يفرغ حمولته في خزان منزله. يضحك بمرارة وهو يقول: "أدفع 10 آلاف ريال لشراء وايت الماء… راتبي لم يعد يكفي، ثلثه يذهب للماء فقط".

حول الخزان، يقف جيرانه منتظرين دورهم في ملء أوعيتهم، يتبادلون حسابات دقيقة عن كم سيكفيهم هذا الماء: أسبوع؟ يومين أو ثلاثة بالكاد؟ المشهد يعكس معاناة يومية باتت تتكرر في معظم أحياء ذمار.

ومع جفاف الحقول وفقدان مصدر العيش، بدأ سكان القرى في المناطق الأكثر استنزافًا، مثل مغرب عنس والحداء، بالهجرة إلى أطراف المدن الكبرى مثل ذمار وصنعاء، أو إلى مناطق أخرى شمالًا. هذه الهجرة ليست طوعية، بل قسرية ومشحونة بالإفقار والانفصال عن الأرض والهوية الزراعية.

وفق تقرير صادر عن برنامج الأغذية العالمي (WFP, 2024)، فإن الهجرة المرتبطة بندرة المياه أصبحت واحدة من أهم محركات النزوح الداخلي في المرتفعات اليمنية.
  • هل هناك بصيص أمل؟
تراجعت الأمطار، واشتدت الحرارة، وتوسّعت زراعة القات، وغابت الدولة عن تنظيم الحفر...

كل ذلك يدفع البلاد نحو جفاف لا يرحم، ومع ذلك، لا يزال هناك متسع من الأمل — لكنه أمل يحتاج لمن يحمله ويصونه.

في كل قرية، يمكن أن يكون هناك خزان أو سد صغير يجمع مياه المطر لأيام الشح، وهذا ما حدث مؤخرًا في منطقة "تفاضل" شمال ذمار، حيث قدّم الأهالي نموذجًا يُحتذى، ففي مايو الماضي، وبجهود مشتركة من المجتمع المحلي، وهيئة الموارد المائية، والسلطة المحلية، تم إنشاء بحيرة ترابية في "سائلة الواقفة"، لحصاد مياه الأمطار الموسمية، هذا المشروع لم يجلب فقط الماء، بل أعاد الأمل لقرية ظلت سنوات تعاني العطش.

وفي نهاية هذا الطريق الطويل، نعود إلى أم عبدالرحمن وحنان، تسيران خلف الحمار المتعب تحت أشعة الشمس اللافحة، لم يجف الماء فقط، بل جفّت معه أحلام البقاء الكريم، هذه الأسرة، مثل آلاف غيرها، لا تنتظر تقارير دولية أو مؤتمرات... بل تنتظر شربة ماء، وحلًا عادلًا، وأملًا لا يأتي بعد فوات الأوان.

التحقيق ينتهي هنا؛ لكن القصة ما زالت تمشي على قدمين صغيرتين... تحملان دبّة فارغة، نحو بئرٍ قد لا تمتلئ أبدًا.

تم إنتاج هذه المادة كمشروع تخرج الدفعة الأولى من دبلوم صحافة المناخ، تحت إشراف مدرسة المناخ بالتعاون مع شبكة الصحفيين الدوليين ومؤسسة GREAN PEACE.