لم تعد القضايا الكبرى في عالم اليوم تُحسم بالخطاب المعلن بقدر ما تُقاس بمدى صدقية الالتزامات المرافقة له. فكم من بيانٍ سياسي امتلأ بعبارات "الاحترام لسيادة اليمن ووحدته واستقلاله"، لكنّ الممارسة على الأرض ظلت تفضح التناقض بين القول والفعل، وبين الاعتراف والموقف العملي. في الحالة اليمنية، تبرز هذه المفارقة بأوضح صورها: إذ يقف اليمن اليوم بين احترامٍ معلن والتزامٍ غائب، بين لغة المجاملة الدبلوماسية وبين مقتضيات المسؤولية الفعلية تجاه بلدٍ أنهكته الحرب والتجاذبات.
  • الاحترام.. لغة الاعتراف لا تضمن البقاء
تُكثر الأطراف الإقليمية والدولية في بياناتها من التأكيد على “احترامها لسيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه”، غير أنّ هذا الاحترام ظلّ في أغلب الأحيان أقرب إلى الإقرار الشكلي منه إلى الاعتراف العملي. فاليمن الذي يُحترم في النصوص يُنتهك في الواقع عبر التدخلات، وتعدد الولاءات، وتنازع مراكز النفوذ. لقد غدت عبارة"نحترم وحدة اليمن" لازمة دبلوماسية تُقال لتجنّب الحرج، لا لتأكيد التزام حقيقي بمبدأ أو مصير.

الاحترام، مهما بدا أنيقًا في العبارة، يظلّ في جوهره موقفًا أخلاقيًا لا يكفي وحده لصون الكيان أو حفظ السيادة. فهو إعلان نوايا أكثر منه عقد التزامات. واليمن، الذي تتقاذفه المصالح، لا يحتاج إلى بيانات احترام بقدر ما يحتاج إلى ضمانات التزام.
  • الالتزام.. الامتحان الحقيقي للمصداقية
أما الالتزام فهو الوجه العملي للسياسة الرصينة. إنه التعبير عن الإرادة المقترنة بالفعل، لا بالكلام. الالتزام يعني أن تقف الدول والمنظمات أمام مسؤولياتها: دعمًا للاستقرار، وتمويلًا للإعمار، ورعايةً للمسار السياسي على قاعدة الشراكة والمساءلة. من هنا فإنّ اختبار صدقية المواقف الدولية تجاه اليمن لا يُقاس بما يُقال في المؤتمرات، بل بما يُنفّذ على الأرض من دعمٍ للمؤسسات الشرعية، وإعادة بناء الإدارة المدنية، وتوحيد القوات تحت سلطة الدولة.

الالتزام هو ما يحوّل "احترام السيادة" من شعار إلى واقع. وهو ما يميّز بين الشريك الذي يريد لليمن أن ينهض، والفاعل الذي يريده أن يظل رهينة هشاشةٍ دائمة. فالمجتمع الدولي الذي يعلن احترامه لوحدة اليمن مطالب في المقابل بأن يلتزم بتمكين تلك الوحدة من مقومات البقاء — لا أن يكتفي بخطاب مجامل يوارب الحقائق.
  • الاحترام الموهوم والتعاطف المضلِّل
ولا يقتصر الخلل على غياب الالتزام تجاه الكيان الوطني الجامع فحسب، بل يمتد إلى الادعاء الزائف بالتعاطف مع مطالب الجنوب من باب "المجاملة السياسية" أو ما يُعرف في أدبيات الدبلوماسية بـ Paying lip service. فكثير من القوى الخارجية - بل وبعض النخب المحلية - تتحدث بلغة "التفهّم" و"الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره"، دون أن تقرن ذلك بأي التزام سياسي أو قانوني حقيقي. وغالبًا ما يُستخدم هذا التعاطف الخطابي كأداة لاحتواء الغضب الجنوبي أو توجيهه مؤقتًا، لا كمسار نحو حل عادل ومستدام. وهنا يكمن الخطر: حين يُستبدل الالتزام الفعلي بعبارات التضامن الشكلي، يصبح الخطاب أداة خداع لا وسيلة إنصاف، ويضيع الجنوب بين من"يحترم" قضيته لفظًا ومن"يلتزم" بدعم حلٍّ واقعيٍّ يضمن كرامته وحقوقه في إطار كيان وطني جامع متوازن.
  • من الاحترام الشكلي إلى الالتزام الفعلي
تكمن مأساة اليمن في أنّه ظلّ، لسنوات، ميدانًا لتصادم الاحترامات المعلنة والالتزامات المؤجلة. فكل طرف يحترم اليمن على طريقته، لكن قلة من الأطراف من التزمت فعلًا بحماية مصالحه العليا. وحتى القوى الداخلية كثيرًا ما طالبت باحترام إرادتها، لكنها نادرًا ما التزمت بإرادة الوطن الجامعة. وهكذا تكرّس الانقسام بين من يرفع شعار “الاحترام” كدرع سياسي، ومن يتهرب من “الالتزام” كواجب وطني.

إنّ مستقبل اليمن، سواء بقي كيانًا واحدًا أو تطوّر إلى صيغة اتحادية أو إقليمية جديدة، لن يتقرر في نصوص البيانات، بل في ميزان الأفعال لا الأقوال. والرهان الحقيقي ليس على احترامٍ لفظي للكيان الجامع أو للتنوع، بل على التزامٍ عملي بصيانة العقد الوطني الذي يضمن العدالة والتوازن بين مكوّنات الدولة.
  • خاتمة: احترام لا يكتمل إلا بالالتزام
إنّ العالم الذي يعلن احترامه لليمن مدعو اليوم إلى الالتزام بإنقاذه، لأن الاحترام وحده لا يصنع وطنًا ولا يحفظ كيانًا.

واليمنيون، من جهتهم، مطالبون بأن يثبتوا للعالم أنّهم أقدر على احترام ذواتهم عبر التزامهم بمصيرهم المشترك.

فـ الاحترام بلا التزام وعدٌ مؤجل، والالتزام بلا احترام وصايةٌ مرفوضة، وبين الاثنين يقف مستقبل اليمن معلقًا - في انتظار من يجمع الكلمة بالفعل، والإرادة بالمسؤولية، ليعيد إلى هذا الوطن المنهك معنى السيادة ومعنى الدولة.