حفل تكريم المناضل الكبير الأستاذ أحمد يوسف النهاري في نادي شمسان الرياضي العريق ليس مجرد فعالية اجتماعية عابرة، بل مناسبة تستعيد جوهر المعنى العدني العميق: الوفاء لقاماتٍ صنعت التاريخ الوطني بجهدها وإخلاصها، وكرّست حياتها لخدمة الناس والوطن، وظلّت على الدوام حاضرة في الضمير الجمعي لعدن واليمن بأسره. إنه تكريمٌ يعبّر عن وعيٍ جمعيٍّ بأن القيم لا تموت، وأن الأسماء التي حملت مشعل النضال والبناء لا تُنسى، بل تبقى مناراتٍ تهدي الأجيال وتذكّرهم بأن عدن كانت وستبقى مدرسةً في الوطنية والمدنية والتنوير.
  • وطني ثم فدائي شارك في صنع القدوة
ينتمي الأستاذ أحمد يوسف النهاري إلى جيلٍ فذٍّ من رجالات عدن الذين أسّسوا لبدايات الوعي الوطني الحديث، وقادوا بوادر المواجهة الراقية مع المستعمر البريطاني في خمسينيات القرن الماضي، حين أسّسوا «الجبهة الوطنية المتحدة» التي شكّلت آنذاك نواة العمل الوطني المنظّم في المدينة. وكان في طليعة ذلك الجيل نخبةٌ من القامات الفكرية والنضالية البارزة، من أمثال محمد عبده نعمان، وعبدالله الأصنج، ومحمد سالم علي، ومحمد مرشد ناجي، ومحمد سعد قباطي، ومحمد سعيد باشرين، والعشرات من قيادات الحركة الوطنية والنقابية والمثقفين والصحفيين الذين سطّر التاريخ أسماءهم في سجل الفخر والاعتزاز.

ومن رحم ذلك المخاض الوطني، واصل النهاري دوره في الكفاح الفدائي ضد المستعمر على درب الاستقلال، وكان اسمه بين من دوّت أسماؤهم في شوارع كريتر والشيخ عثمان وخور مكسر، حيث ألهبت شعلتهم الوطنية قلوب الشباب العدني آنذاك، فكانوا مثالًا للبطولة والانضباط والالتزام الوطني.

غير أن كفاح النهاري لم يكن مجرد مواجهةٍ مسلّحة، بل وعيًا مبكرًا بأن الحرية لا تكتمل إلا ببناء الإنسان قبل الجغرافيا، وأن مقاومة الاحتلال لا تنفصل عن مقاومة الجهل والانقسام. ومن هذا الإدراك العميق، انطلق مع جيله لتأسيس النوادي الرياضية والمنتديات الاجتماعية والثقافية في تلك الحقبة الحيوية من تاريخ عدن المجيد، مؤمنين بأن بناء الوعي الجمعي هو الوجه الآخر لمعركة الاستقلال، وأن الرياضة والثقافة هما جناحا النهضة التي تليق بعدن ومكانتها الريادية في محيطها الوطني والإقليمي.
  • من ساحات النضال إلى منابر المجتمع
بعد الاستقلال، ظلّ الأستاذ أحمد يوسف النهاري وفيًّا لمبادئه الأولى، فانتقل من ميادين الكفاح إلى فضاءات العمل الاجتماعي والرياضي والثقافي، مؤمنًا بأن المقاومة لا تنتهي بزوال المستعمر، بل تتجدّد في خدمة الناس وصون كرامتهم. أسهم في تأسيس نادي شمسان الرياضي، ذلك الصرح الذي لم يكن مجرّد نادٍ رياضي، بل مدرسة في الوطنية والانضباط والعمل الجماعي. وبحكمته وتواضعه وسيرته النقية، صار النهاري مرجعًا للأجيال الجديدة من الرياضيين والمثقفين والناشطين، يجسّد نموذجًا للرجل الذي يظلّ قريبًا من الناس، ثابتًا على المبادئ، صادقًا في عطائه.
  • امتداد لجيل الريادة والوفاء
إن تكريم النهاري اليوم لا يُنصف رجلًا فحسب، بل يُكرّم جيلًا بأكمله جسّد وحدة الفكرة الوطنية في أبهى صورها. ذلك الجيل الذي جمع بين الفكر والنضال، بين السياسة والثقافة، بين الرياضة والعمل العام. ولعلّ هذا التكريم يأتي امتدادًا طبيعيًا لتكريم الأستاذين الجليلين عبدالله عزيز وأحمد قعطبي، اللذين مثّلا مع النهاري أضلاع مثلثٍ من القيم العدنية الأصيلة: الصدق في الخدمة، والنزاهة في المسؤولية، والالتزام بالمصلحة العامة. فكما كان عزيز رجل الرؤية الاقتصادية، وقعطبي طاقة الشباب والعمران، كان النهاري هو الضمير الحيّ الذي وحّد بين البطولة والتربية، بين الفداء والعمل الاجتماعي، بين النخوة والنهضة.
  • عدن.. المدينة التي تكرّم ذاتها
إنّ هذه السلسلة من التكريمات لا تمجّد الأفراد بقدر ما تكرّس ذاكرة المدينة التي أنجبتهم. فتكريم النهاري هو في جوهره احتفاء بعدن ذاتها، عدن التي ما زالت قادرة على تجديد رسالتها التاريخية كقاطرةٍ للنهضة، ومختبرٍ للتجربة الوطنية الحديثة، ودرعٍ متقدّم في مواجهة الأطماع الخارجية. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، تعود عدن لتؤكد حضورها كمدينةٍ تحمي القيم قبل أن تحمي المصالح، وتدافع عن الإنسان قبل الجغرافيا. ومن هنا، فإن تكريم الرموز الوطنية من طراز النهاري هو تجديد للعهد مع القيم التي حمت عدن وجعلتها بوابة اليمن إلى العالم.
  • الوفاء كجسرٍ نحو المستقبل
في زمنٍ تكثر فيه الشعارات وتقلّ المواقف، يبقى النهاري وأمثاله برهانًا على أن الوطنية ليست خطابًا، بل سلوكٌ يوميٌّ وعملٌ متواصل، وأن القيم لا تُورَّث بالكلمات بل بالأفعال. ولعلّ أصدق ما يمكن أن نقدّمه اليوم لهؤلاء الروّاد هو أن نواصل السير على خُطاهم، وأن نحول قيمهم إلى منهجٍ في العمل العام، فالوطن لا يُبنى إلا على الإخلاص والنزاهة والتواضع.

ختامًا، فإن تكريم الأستاذ أحمد يوسف النهاري هو تذكيرٌ لكل من عاصر مسيرته بأن عدن كانت وستبقى – ما حيينا – منارةً للنهضة، ورافعةً للأمل، وبوابةً لمستقبلٍ آمنٍ مزدهرٍ للجنوب ولكل الوطن والمنطقة بأسرها.