> "الأيام" غرفة الأخبار:
السير في الأزقة القديمة والأسواق الشعبية في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا.. يشبه إلى حد كبير التجول والتسوق في أزقة وأحياء المعلا والشيخ عثمان وكريتر في مدينة عدن جنوب اليمن.. فالمدينتان، الواقفتان على عتبة بحرين تتقاطع علاقتهما بالأمكنة والمرافئ والجسور والثقافة.

- معرض للتذكير بتاريخ مدينتين
وشارك في الافتتاح الرسمي مسؤولون فرنسيون بينهم السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون، إلى جانب مشاركة وزير الدولة محافظ العاصمة عدن أحمد حامد لملس، والسفارة اليمنية في فرنسا، ومجموعة هائل سعيد أنعم وإخوانه، اكبر البيوت التجارية في اليمن.
وكان قد سمح يوم الأربعاء الماضي لمجموعة صحفيين دوليين ومنهم صحفيون يمنيون، بجولة في المعرض الذي يقام في مركز (لا فيي شارتيه) في قلب مدينة مرسيليا الساحلية الفرنسية.
بحسب المنظمين للمعرض، فإن الفكرة انبثقت انطلاقا من مجموعة مؤلفة من 25 قطعة أثرية، جلبها تجار فرنسيون في اوائل القرن العشرين من اليمن، وقدموها هبة لمتحف مرسيليا للآثار.. حيث تمثل هذه القطع اليوم شاهداً مادياً على الحضارة الغنية التي نشأت في القرن الثامن قبل الميلاد في جنوب شرق الجزيرة العربية، وتحديداً في اليمن المنطقة التي عرفت قديماً باسم "العربية السعيدة".

يسعى المعرض إلى إبراز البعد العابر للحدود فيما يتعلق بتنقلات الأعمال الفنية.. كما يهتم بشكل موازٍ بمسارات اليمنيين الذين استقروا في مرسيليا في القرن العشرين، والذين كانوا يعملون في البواخر الأوروبية والتي كانت تتوقف في هذا المرفأ (مرسيليا) المتوسطي الكبير.
مرفأ عدن يحتل مكانة خاصة إذ يعتبر موقع عبور أسطوري، ويرنو المعرض من منظار متعدد الاختصاصات إلى التذكير بتاريخ هذه المنطقة التي تقع عند ملتقى حضارات كبرى وغناها الثقافي العظيم، وبمكانة عدن وصلاتها القديمة والخصبة مع بقية أرجاء العالم. بحسب القائمين على المعرض.
- عرض 70 قطعة أثرية نادرة
تقول المسؤولة الفرنسية في إدارة المعرض "جوليت بوفو"، لـ"المصدر أونلاين" إن المعرض الذي انطلقت أعماله اليوم، يستمر حتى 31 مارس المقبل، يضم 70 قطعة اثرية يمنية نادرة، وان المعرض وبالشراكة مع متحف اللوفر، يطمح إلى تسليط الضوء على تساؤلات تتعلق بنقل التراث الثقافي.

وأوضحت "بوفو"، وهي باحثة متخصصة في التاريخ المعاصر، أن المعرض يضم قطعاً أثرية يمنية مهمة، منها 25 قطعة موجودة في متحف مرسيليا وأخرى تم جلبها للمعرض من متاحف لندن، وفيينا، وروما، وباريس، وميونخ الألمانية.
وأكدت أن المعرض يهدف إلى مشاركة الماضي اليمني الموجود في مرسيليا وأوروبا لتعريف الناس بالعلاقات التاريخية بين عدن ومرسيليا، وهو في إطار الحديث عن اليمن بطريقة ثقافية خاصة في ظل الظروف التي تمر بها اليمن بسبب الحرب.

وأشارت الباحثة الفرنسية "بوفو" إلى أن إقامة هذا المعرض يؤكد على عمق العلاقات الفرنسية اليمنية في المجال الثقافي.. وأن هناك إمكانية للتعاون مستقبلاً بشكل كبير في ترميم القطع الاثرية في المتحف اليمني والتي تضررت بفعل سنوات الحرب في اليمن.
- تشابه مدينتين
وإلى جانب التشابه في الأدوار وشخصية عدن ومرسيليا باعتبارهما "مدينتين ساحليتين عالميتين"، وتضمان "ميناءين محوريين" في خطوط الملاحة العالمية، فإنهما أيضا نقطتا التقاء التجار والبحارة والثقافات.
وقال السفير اليمني لدى فرنسا رياض ياسين، إن "عدن ومرسيليا تفصل بينهما آلاف الكيلومترات لكنها متشابهتان جغرافيا وثقافيا وروحيا.. فـ "جغرافيا عدن في جنوب الجزيرة العربية ومرسيليا في الجنوب الفرنسي، كما أن المدينتين تحيط بهما الجبال، وتغمرهما السواحل الصخرية ويغمرهما ضوء ساطع يتبدل مع ساعات النهار، إلى جانب أن خليج عدن المحاط بتضاريس بركانية يتماثل بشكل خيالي مع ميناء مرسيليا الطبيعي الممتد بين التلال والمنفتح على البحر الأبيض المتوسط".
وذكر أن "السكان في المدينتين تعكس قصتهما روح المبادرة والشجاعة والريادة الاقتصادية والانفتاح".
ولفت ياسين في تصريح لـ"المصدر أونلاين" إلى أن "عدن ومرسيليا مدينتان نابضتان بالحياة، تتسمان بالتنوع والانفتاح، ففي شوارعهما تسمع لغات ولهجات مختلفة، وترى وجوها من ألوان متعددة هما مدينتان للعبور واللقاء، حيث البحر لا يفصل، بل يجمع، وتاريخهما المشترك هو تاريخ الضيافة والتنوع الثقافي والعيش الكريم".
وأشار السفير اليمني ياسين إلى أن المدينتين "لديهما روح منفتحة على العالم والهجرة المستمرة والقدرة على التفاعل والتعامل مع الآخر وتقديره وتتشابهان في كثير من الصفات الأخرى".
بدورها تؤكد الباحثة الفرنسية "بوفو"، أن التشابه بين عدن ومرسيليا كبير جدًا، ويتمثل هذا التشابه في مجالات عدة، بما في ذلك التطور الاقتصادي للمدينتين عبر مرفئيهما، حيث شهدتا حركة نمو وتطور كبيرة بالتوازي في بداية القرن العشرين.
- فرنسيون في عدن، يمنيون في مرسيليا
وضم المعرض جناحاً كبيراً عرضت فيه صور فوتوغرافية قديمة لتجار فرنسيين وأوروبيين في مدينة عدن، وكذا تجار يمنيون في مرسيليا، بما في ذلك مؤسس مجموعة هائل سعيد أنعم، أكبر بيت تجاري حاليا في اليمن، باعتباره أحد أبرز التجار الذين ساهموا في ترسيخ العلاقات التجارية بين المدينتين (عدن ومرسيليا).
بحسب إدارة المعرض، مثلت مرسيليا منطقة عبور للعديد من اليمنيين نحو وجهات أخرى، كما استقر في مرسيليا أعداد كبيرة من اليمنيين الذين قدموا عبر عدن وسكنوا في شارع (مازنو)، وأنشأوا جالية وجمعية رياضية وثقافية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
- هائل سعيد: غربة في مرسيليا صنعت مجدا
يقول المنظمون أن هائل سعيد، أن هائل سعيد وصل مرسيليا ومكث في المدينة لمدة تسع سنوات بين عامي 1924 و1936، مع فترات راحة قليلة قضاها في قريته مع عائلته باليمن، حيث عمل في البدايات في معصرة زيت تعمل بالفحم، ونظرا لتحدثه الفرنسية وتمتعه باحترام العمال، سرعان ما ترقى في المناصب.

بعد عودته إلى اليمن، حيث كان قد اكتسب تجربة مهمة في مرسيليا، بدأ تجارته الخاصة في مدينة عدن، وبعد الثورة في 1962، كرّس نفسه للتعليم والتنمية الاقتصادية والصناعية في اليمن.
في عام 1970، أسس الجمعية اليمنية للصناعة والتجارة في تعز، إيذانا ببداية قصة نجاح استثنائية جذبت العديد من أفراد عائلته إلى التجارة الدولية.
الفترة التي قضاها هائل سعيد أنعم في مرسيليا كانت محطة ملهمة في بدايات حياته؛ فعلى الرغم من أنها كانت مرحلة شاقة مليئة بجهد العمل وصعوبة الغربة، إلا أنها منحته خبرة عملية وتجارية مهمة، تحولت فيما بعد إلى الأساس الذي بنيت عليه إمبراطورية اقتصادية وتجارية كبرى تنشط اليوم في مختلف مناطق اليمن والمنطقة، إضافة إلى حضور قوي في إفريقيا وأوروبا، وبسمعة راسخة وتقدير واسع.
ويحضر جانبا من المعرض في مرسيليا الحاج عبد الجبار هائل سعيد أنعم، رئيس مجلس ممثلي الملاك، ودرهم عبده سعيد أنعم، رئيس مجلس إدارة مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه.
- فعاليات مرافقة
وخصصت إحدى الصالات لعرض رسوم تشكيلية ومخطوطات حديثة باللغة السبئية اليمنية القديمة، إلى جانب زخارف ومنحوتات ذات ألوان متعددة وأشكال مختلفة.

وأوضح الأسودي، الذي يشارك بعدد من اللوحات التشكيلية، أنه يشتغل على "الكلمات وطاقة الكلمة، والمخطوطات والحروف السبئية اليمنية".
وأضاف قائلا: "أنا كفنان تشكيلي، يهمني كثيراً الوصول إلى الآخرين وتقديم رسالتي من خلال هذه الأعمال، أعمال تركز على صدى الكلمات والمعاني التي تؤكد على التسامح والحب والسلام، وهو ما نفتقد إليه بشكل كبير، بعيدًا عن الكلام المباشر".
وأشار الفنان الأسودي إلى أهمية المعرض بشكل عام، خاصة في الوقت الحالي، باعتبار اليمن بلداً منسياً أو يقدم بصورة لا تعبر عن مدى حضارته وثقافته.
وتسببت الحرب القائمة منذ أكتر من عقد من الزمن في تدمير عدد من المتاحف الأثرية والمدن التاريخية في محافظات عدة من اليمن.



















