> حلمي همامي:

في خضم الحرب على غزة، ومع تصاعد الجدل الدولي حول «اليوم التالي» وانسداد الأفق السياسي لأي تسوية عادلة، جاء الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" كدولة مستقلة ليطرح أسئلة تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي، وتلامس جوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ولا سيما المخاوف المتزايدة من عودة مشاريع التهجير القسري للفلسطينيين بأشكال جديدة ومموّهة.

ولا يمكن قراءة الخطوة الإسرائيلية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب، ولا عن تاريخ طويل من محاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا بدل معالجة جذور الصراع.

ومن الناحية الظاهرية، قد يبدو الاعتراف ب "أرض الصومال" خطوة سيادية تهدف إلى توسيع النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا وتعزيز الحضور في منطقة القرن الإفريقي، وهي منطقة تكتسب أهمية متزايدة بفعل موقعها الجغرافي المشرف على خليج عدن وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. غير أن القراءة التحليلية العميقة تكشف أن هذا الاعتراف يحمل أبعادًا استراتيجية وأمنية وسياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، من بينها استخدام هذا الاعتراف كورقة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تتصل بغزة ومستقبل سكانها.

وتاريخيًا، لم تكن فكرة تهجير الفلسطينيين طارئة أو استثنائية في الفكر السياسي الإسرائيلي. فمنذ نكبة 1948، شكّل التهجير أداة مركزية في الصراع، وإن اختلفت أشكاله وتسويقاته.

ومع كل أزمة كبرى، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة، أحيانًا بشكل صريح، وأحيانًا أخرى عبر تسريبات أو دراسات أو مقترحات «غير رسمية».

وفي ظل الدمار الواسع الذي لحق بغزة، وغياب رؤية سياسية قابلة للحياة، تزداد المخاوف من البحث عن «حلول خارج الأرض»، أي حلول لا تقوم على إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية، بل على تفريغ الأرض من سكانها تدريجيًا.

وفي هذا السياق، يكتسب الاعتراف ب" أرض الصومال" دلالة خاصة. فالإقليم غير معترف به دوليًا، ويعاني عزلة سياسية واقتصادية، ويبحث منذ سنوات عن أي اختراق يمنحه شرعية خارجية. هذا الوضع يجعله – نظريًا – قابلًا للتحول إلى ساحة لتجارب سياسية وجيوسياسية كبرى، خصوصًا إذا اقترنت هذه التجارب بإغراءات اقتصادية أو أمنية.

ومن هنا، تنبع المخاوف من أن يكون الاعتراف الإسرائيلي مقدمة لطرح" أرض الصومال" كوجهة محتملة لإعادة توطين الفلسطينيين، ولو على مراحل، وتحت عناوين إنسانية أو تنموية أو أمنية.

تاريخيًا، لم تكن فكرة تهجير الفلسطينيين طارئة أو استثنائية في الفكر السياسي الإسرائيلي. فمنذ نكبة 1948، شكّل التهجير أداة مركزية في الصراع، وإن اختلفت أشكاله وتسويقاته.

وقد ترى إسرائيل، من جهتها في هذا المسار فرصة متعددة الأهداف. فمن ناحية، يوفر لها موطئ قدم استراتيجي قرب البحر الأحمر، يسمح بمراقبة التحركات العسكرية في اليمن، ولا سيما نشاط الحوثيين، وتأمين خطوط الملاحة الإسرائيلية.

ومن ناحية ثانية، يتيح لها توسيع شبكة تحالفاتها خارج الدائرة العربية التقليدية، بما يخفف من وطأة العزلة السياسية في حال تعثر مسارات التطبيع.

وأما من الناحية الأخطر، فيتمثل الهدف المحتمل في فتح أفق جديد للتعامل مع «الفائض السكاني» في غزة، وفق منطق أمني وديموغرافي طالما حكم التفكير الإسرائيلي.

هذه القراءة هي ما يفسر ردود الفعل الحادة من قوى دولية وإقليمية وازنة، وعلى رأسها الصين ومصر. فبكين لم تنظر إلى الاعتراف الإسرائيلي كخطوة ثنائية معزولة، بل كجزء من إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما يهدد مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بالملاحة والتجارة والطاقة.

كما أن الصين، التي ترفع شعار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ترى في هذا الاعتراف سابقة خطيرة تشجع النزعات الانفصالية، وتفتح الباب أمام استخدام الاعترافات السياسية كأدوات لخدمة مشاريع تهجير وتغيير ديموغرافي.

وأما مصر، فتتعامل مع الملف من زاوية أمن قومي مباشر. فأي تغيير في معادلات القوة عند باب المندب وخليج عدن ينعكس بالضرورة على أمن البحر الأحمر وقناة السويس.

وإضافة إلى ذلك، ترفض القاهرة بشكل قاطع أي سيناريو يستهدف تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، لما يحمله من تهديد مباشر لفكرة الدولة الفلسطينية، وللاستقرار الإقليمي ككل.

ومن هنا، جاء الموقف المصري الداعم لوحدة الأراضي الصومالية والمتناغم مع الموقف الصيني الرافض للاعتراف.

ورغم عدم وجود إعلان رسمي إسرائيلي أو دولي يتحدث صراحة عن تهجير الفلسطينيين إلى "أرض الصومال"، فإن خطورة المسألة تكمن في تراكم المؤشرات لا في وجود قرار معلن. فغالبًا ما تبدأ المشاريع الكبرى في السياسة الدولية كأفكار هامشية أو نقاشات أكاديمية أو تسريبات إعلامية، قبل أن تتحول – تحت ضغط الوقائع – إلى خيارات مطروحة على الطاولة.

ومع استمرار الحرب في غزة، وتفاقم الكارثة الإنسانية، يصبح الخوف من تسويق التهجير كحل «واقعي» أو «اضطراري» أكثر حضورًا.

كما أن السياق الدولي الراهن، الذي يشهد تراجعًا في الالتزام العملي بالقانون الدولي، وازدواجية واضحة في التعامل مع قضايا الاحتلال والنزوح، يزيد من هذه المخاوف. فحين تُغضّ الأطراف الدولية النظر عن الانتهاكات الكبرى، يصبح من الأسهل تمرير مشاريع تتعارض مع أبسط مبادئ العدالة والشرعية الدولية.

وفي هذا الإطار، قد يُستخدم الاعتراف كجزء من عملية أوسع لإعادة رسم الخرائط السياسية، على حساب شعوب ضعيفة أو منزوعة الحماية.

ومع ذلك، فإن تحويل سيناريو تهجير الفلسطينيين إلى واقع يواجه عقبات كبيرة. فرفض الفلسطينيين أنفسهم لأي حل يقوم على اقتلاعهم من أرضهم يظل عاملًا حاسمًا.

كما أن المواقف الرافضة من قوى دولية مؤثرة، ومن دول عربية وإفريقية، تجعل من الصعب تمرير مثل هذا المشروع دون تكلفة سياسية باهظة.

وإضافة إلى ذلك، فإن "أرض الصومال" نفسها ليست كيانًا مستقرًا أو متجانسًا يمكنه استيعاب موجات سكانية كبيرة دون تداعيات داخلية خطيرة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن الاعتراف الإسرائيلي ب" أرض الصومال" لا يشكل دليلًا قاطعًا على وجود مخطط وشيك لتهجير الفلسطينيين، لكنه يثير مخاوف مشروعة، ويكشف عن اتجاهات مقلقة في التفكير الاستراتيجي الإقليمي والدولي. فحين تُستخدم الاعترافات السياسية لتغيير الوقائع الجغرافية، وحين يُعاد طرح التهجير كحل غير معلن، يصبح من الضروري التعامل مع هذه الخطوات بحذر بالغ.

ولا تقتصر مواجهة هذا المسار على إدانة الاعتراف أو رفضه، بل تتطلب تثبيت مبدأ أساسي مفاده أن غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية، وأن أي حل يتجاوز إرادة الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر عنفًا. فتهجير الفلسطينيين، سواء إلى " أرض الصومال" أو غيرها، لن يكون حلًا للأزمة، بل وصفة مؤكدة لمزيد من عدم الاستقرار، ليس في فلسطين وحدها، بل في كامل الشرق الأوسط والقرن الإفريقي معًا.

"العرب"