> وئام عبدالملك:
قبل خمسة عشر عامًا، كانت قرية "المخبيّة" في حضرموت اسمًا على مسمى؛ غابة كثيفة من النخيل تُخفي بيوتها عن الأنظار. أما اليوم، فقد اختفى النخيل، وهجرت عائلات كثيرة المكان، ولم يتبقَّ سوى أرض قاحلة وذكريات عن واحة خضراء. قصة المخبيّة ليست حادثة معزولة، بل هي مرآة لمأساة وطن بأكمله. فاليمن أو “العربية السعيدة” التي تغنّى بها المؤرخون القدامى بوصفها موطن السدود ومهد الهندسة المائية الأولى، لم تعد كذلك اليوم، بعد أن صارت تقف على حافة هاويةٍ هيدرولوجيةٍ تنذر بأزمة وجودية حقيقية.
إن المشهد اليمني الحالي لا يعكس مجرد أزمة جفاف عابرة، بل يجسّد حالة معقدة من الانهيار البيئي والمؤسسي، حيث تتضافر قسوة تغيّر المناخ مع سوء الإدارة والفساد المؤسسي لتجعل من "قطرة المياه" العملة الأندر والأخطر في آنٍ واحد. الأمر الذي يستدعي الغوص في عمق الأزمة، وتحليل جذورها، واستعراض الحلول العلمية والتقليدية الممكنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
إن الأزمة ليست وليدة الصدفة الطبيعية وحدها، بل هي نتاج تزاوج كارثي بين العوامل الطبيعية والبشرية. فمن جهة، تعاني البلاد من تذبذب حاد في معدلات هطول الأمطار وتداعيات خطيرة لتغيّر المناخ، ومن جهة أخرى، يرتكب المواطن اليمني تدميرًا ممنهجًا لموارده عبر الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية والحفر العشوائي للآبار.
ويشير الكنزلي في حديث خاص لـ”الشبكة العربية للصحافة العلمية" إلى مفارقة الطاقة الشمسية، التي كان يُؤمل أن تكون حلًا بيئيًا نظيفًا، لكنّها تحولت إلى مِعول هدم للمخزون المائي؛ حيث أدى انخفاض تكلفتها إلى تشجيع المزارعين على ضخ المياه الجوفية بلا هوادة ومن دون الاكتراث لفاتورة الوقود، ما سرّع من نضوب الأحواض المائية التي تكوّنت عبر آلاف السنين.
هذا الاستنزاف الهائل يتطلب تدخلًا تشريعيًا حازمًا يتجاوز مجرد التوعية، ليصل إلى سنّ قوانين صارمة تحدّ من توسع زراعة القات، وتدعم بدائل اقتصادية ذات جدوى، مثل البن والحبوب والفواكه، بحسب ما يقترح الخبراء، وذلك ضمن خارطة طريق لإنقاذ القطاع الزراعي.
وفي السياق ذاته، يشدد الصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي على ضرورة أن تُترجم الحكومة توجهاتها عبر برامج واقعية تبدأ بتجريم الحفر العشوائي للآبار، وفصل استخدامات المياه، بحيث تُلزم المنشآت الصناعية والتجارية الكبرى بالاعتماد على تحلية مياه البحر بدلاً من مزاحمة المواطنين على المخزون الجوفي النادر، مع ضرورة إعادة تدوير المياه الرمادية ومياه الغسيل لاستخدامها في ريّ الحدائق والمساحات العامة، ما يخفف الضغط على المياه الصالحة للشرب.
وتكمن المأساة الحقيقية في أن المناطق التي تضربها موجات الجفاف القاسية هي ذاتها التي تتعرض لاحقًا لسيول جارفة وفيضانات عارمة تُدمّر البنية التحتية من دون أن تتم الاستفادة منها، كما يقول الخراز.
ويشير في حديثه إلى غياب الإدارة المتكاملة لهذه الظواهر؛ فالمياه التي تهطل بغزارة على المرتفعات الجبلية تندفع كسيولٍ مدمّرة نحو الوديان والمناطق الساحلية والصحراوية، لتختلط بمياه الصرف الصحي والملوّثات، وتصبّ في البحر من دون أي استثمار حقيقي لهذا المورد.
ويعكس هذا الهدر المائي فشلا مؤسسيًا ذريعًا وعجزًا في البنية التحتية، حيث تضيع مليارات الدولارات من التمويلات الدولية والمحلية في دهاليز الفساد وسوء الإدارة، بدلاً من توجيهها لإنشاء مصائد للسيول، وحواجز مائية، وأنظمة حماية تحوّل هذه النقمة إلى نعمة تغذّي الخزانات الجوفية وتروي الأراضي العطشى.
ويقول بن غالب: إنّ أبرز هذه الابتكارات البسيطة والفعالة تقنية "الهَثِيم" (الطرابيل)، التي تعتمد على تجميع مياه المطر الخفيف والضباب في المناطق الجبلية، مثل القبيطة، باستخدام طرابيل (أغطية بلاستيكية) تُنصب على قوائم خشبية مائلة، لتنساب القطرات المتجمعة مباشرة إلى خزانات بلاستيكية، موفّرةً بذلك مصدرًا للمياه في أحلك الظروف.
وإلى جانب ذلك، تعود فكرة "السقايات" أو الخزانات الدائرية المبنية من الأحجار بجوار المنازل لتتصدر المشهد، وهي تقنية كانت المنظمات الدولية، مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، تدعمها قبل العام 2010. وتمثل هذه الحلول اللامركزية، رغم بساطتها، طوق نجاة للمجتمعات الريفية المعزولة، وتثبت أن الحلول المحلية المستدامة قد تكون أكثر جدوى من المشاريع العملاقة المتعثرة.
ويدعم هذا التوجه الباحث الكنزلي، الذي يؤكد ضرورة العودة إلى ترميم المدرّجات الزراعية التي تحفظ التربة وتخزّن المياه، وإعادة الاعتبار للأشجار المحلية المقاومة للجفاف، مثل السدر والسمر، بدلًا من استيراد حلول لا تتناسب مع البيئة اليمنية.
من جانبه، يؤكد الدكتور الخراز الضرورة الملحّة لإنشاء "مركز إنذار مبكر" وطني حقيقي، لا يكتفي بتلقي البيانات من المراكز الدولية، بل يمتلك القدرة على إنتاج المعلومة المناخية وتحليلها محلياً. هذا المركز يجب أن يكون العمود الفقري لأي خطة طوارئ، لتمكين الدولة والمجتمع من الاستعداد المسبق للكوارث، سواء كانت جفافاً أو فيضانات، وتوجيه الموارد والتدخلات بكفاءة.
كما يشدد الكنزلي على أهمية تبنّي تقنيات الزراعة الحديثة، مثل الري بالتنقيط، وإنتاج السماد العضوي (الكمبوست) الذي يحسن خصائص التربة ويزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، داعيًا إلى استثمار شجرة "المسكيت" الضارة بيئيًا عبر تحويلها إلى سماد، وبذلك نضرب عصفورين بحجرٍ واحد: التخلص من آفة زراعية وتحسين خصوبة الأرض.
وبالتالي، فإنّ الرهان على الاستمطار يُعدّ قفزًا على الواقع، والأجدر هو توجيه الموارد الشحيحة نحو إدارة الموارد المتاحة، وحصاد مياه الأمطار، وترشيد الاستهلاك، بدلاً من مطاردة السُّحب في السماء.
باختصار، إنّ المياه التي تضيع في البحار أو تتبخر في الهواء، وتلك التي تُهدر لزراعة القات، هي ذاتها المياه التي يحتاجها أطفال اليمن للبقاء على قيد الحياة، ما يؤكد حتميّة الشراكة بين جميع المعنيّين من سلطات محلية ومنظمات دولية ومجتمع مدني وأفراد. فالوقت ينفد، وكلفة التأخير لن تُدفع بالمال، بل ستنعكس سلبًا على حياة الملايين وعلى مستقبل وطنٍ بأسره.
"يمن مونيتور"
إن المشهد اليمني الحالي لا يعكس مجرد أزمة جفاف عابرة، بل يجسّد حالة معقدة من الانهيار البيئي والمؤسسي، حيث تتضافر قسوة تغيّر المناخ مع سوء الإدارة والفساد المؤسسي لتجعل من "قطرة المياه" العملة الأندر والأخطر في آنٍ واحد. الأمر الذي يستدعي الغوص في عمق الأزمة، وتحليل جذورها، واستعراض الحلول العلمية والتقليدية الممكنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
- فقر مائي
إن الأزمة ليست وليدة الصدفة الطبيعية وحدها، بل هي نتاج تزاوج كارثي بين العوامل الطبيعية والبشرية. فمن جهة، تعاني البلاد من تذبذب حاد في معدلات هطول الأمطار وتداعيات خطيرة لتغيّر المناخ، ومن جهة أخرى، يرتكب المواطن اليمني تدميرًا ممنهجًا لموارده عبر الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية والحفر العشوائي للآبار.
ويشير الكنزلي في حديث خاص لـ”الشبكة العربية للصحافة العلمية" إلى مفارقة الطاقة الشمسية، التي كان يُؤمل أن تكون حلًا بيئيًا نظيفًا، لكنّها تحولت إلى مِعول هدم للمخزون المائي؛ حيث أدى انخفاض تكلفتها إلى تشجيع المزارعين على ضخ المياه الجوفية بلا هوادة ومن دون الاكتراث لفاتورة الوقود، ما سرّع من نضوب الأحواض المائية التي تكوّنت عبر آلاف السنين.
- القات.. المتّهم الأول في استنزاف الأحواض
هذا الاستنزاف الهائل يتطلب تدخلًا تشريعيًا حازمًا يتجاوز مجرد التوعية، ليصل إلى سنّ قوانين صارمة تحدّ من توسع زراعة القات، وتدعم بدائل اقتصادية ذات جدوى، مثل البن والحبوب والفواكه، بحسب ما يقترح الخبراء، وذلك ضمن خارطة طريق لإنقاذ القطاع الزراعي.
وفي السياق ذاته، يشدد الصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي على ضرورة أن تُترجم الحكومة توجهاتها عبر برامج واقعية تبدأ بتجريم الحفر العشوائي للآبار، وفصل استخدامات المياه، بحيث تُلزم المنشآت الصناعية والتجارية الكبرى بالاعتماد على تحلية مياه البحر بدلاً من مزاحمة المواطنين على المخزون الجوفي النادر، مع ضرورة إعادة تدوير المياه الرمادية ومياه الغسيل لاستخدامها في ريّ الحدائق والمساحات العامة، ما يخفف الضغط على المياه الصالحة للشرب.
- حينما يجتمع الجفاف والفيضانات
وتكمن المأساة الحقيقية في أن المناطق التي تضربها موجات الجفاف القاسية هي ذاتها التي تتعرض لاحقًا لسيول جارفة وفيضانات عارمة تُدمّر البنية التحتية من دون أن تتم الاستفادة منها، كما يقول الخراز.
ويشير في حديثه إلى غياب الإدارة المتكاملة لهذه الظواهر؛ فالمياه التي تهطل بغزارة على المرتفعات الجبلية تندفع كسيولٍ مدمّرة نحو الوديان والمناطق الساحلية والصحراوية، لتختلط بمياه الصرف الصحي والملوّثات، وتصبّ في البحر من دون أي استثمار حقيقي لهذا المورد.
ويعكس هذا الهدر المائي فشلا مؤسسيًا ذريعًا وعجزًا في البنية التحتية، حيث تضيع مليارات الدولارات من التمويلات الدولية والمحلية في دهاليز الفساد وسوء الإدارة، بدلاً من توجيهها لإنشاء مصائد للسيول، وحواجز مائية، وأنظمة حماية تحوّل هذه النقمة إلى نعمة تغذّي الخزانات الجوفية وتروي الأراضي العطشى.
- هندسة الأجداد والعودة إلى الجذور
ويقول بن غالب: إنّ أبرز هذه الابتكارات البسيطة والفعالة تقنية "الهَثِيم" (الطرابيل)، التي تعتمد على تجميع مياه المطر الخفيف والضباب في المناطق الجبلية، مثل القبيطة، باستخدام طرابيل (أغطية بلاستيكية) تُنصب على قوائم خشبية مائلة، لتنساب القطرات المتجمعة مباشرة إلى خزانات بلاستيكية، موفّرةً بذلك مصدرًا للمياه في أحلك الظروف.
وإلى جانب ذلك، تعود فكرة "السقايات" أو الخزانات الدائرية المبنية من الأحجار بجوار المنازل لتتصدر المشهد، وهي تقنية كانت المنظمات الدولية، مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، تدعمها قبل العام 2010. وتمثل هذه الحلول اللامركزية، رغم بساطتها، طوق نجاة للمجتمعات الريفية المعزولة، وتثبت أن الحلول المحلية المستدامة قد تكون أكثر جدوى من المشاريع العملاقة المتعثرة.
ويدعم هذا التوجه الباحث الكنزلي، الذي يؤكد ضرورة العودة إلى ترميم المدرّجات الزراعية التي تحفظ التربة وتخزّن المياه، وإعادة الاعتبار للأشجار المحلية المقاومة للجفاف، مثل السدر والسمر، بدلًا من استيراد حلول لا تتناسب مع البيئة اليمنية.
- كهوف التخزين
من جانبه، يؤكد الدكتور الخراز الضرورة الملحّة لإنشاء "مركز إنذار مبكر" وطني حقيقي، لا يكتفي بتلقي البيانات من المراكز الدولية، بل يمتلك القدرة على إنتاج المعلومة المناخية وتحليلها محلياً. هذا المركز يجب أن يكون العمود الفقري لأي خطة طوارئ، لتمكين الدولة والمجتمع من الاستعداد المسبق للكوارث، سواء كانت جفافاً أو فيضانات، وتوجيه الموارد والتدخلات بكفاءة.
كما يشدد الكنزلي على أهمية تبنّي تقنيات الزراعة الحديثة، مثل الري بالتنقيط، وإنتاج السماد العضوي (الكمبوست) الذي يحسن خصائص التربة ويزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، داعيًا إلى استثمار شجرة "المسكيت" الضارة بيئيًا عبر تحويلها إلى سماد، وبذلك نضرب عصفورين بحجرٍ واحد: التخلص من آفة زراعية وتحسين خصوبة الأرض.
- وهم الاستمطار وواقعية الحلول
وبالتالي، فإنّ الرهان على الاستمطار يُعدّ قفزًا على الواقع، والأجدر هو توجيه الموارد الشحيحة نحو إدارة الموارد المتاحة، وحصاد مياه الأمطار، وترشيد الاستهلاك، بدلاً من مطاردة السُّحب في السماء.
- سبل الإنقاذ ممكنة قبل فوات الأوان
باختصار، إنّ المياه التي تضيع في البحار أو تتبخر في الهواء، وتلك التي تُهدر لزراعة القات، هي ذاتها المياه التي يحتاجها أطفال اليمن للبقاء على قيد الحياة، ما يؤكد حتميّة الشراكة بين جميع المعنيّين من سلطات محلية ومنظمات دولية ومجتمع مدني وأفراد. فالوقت ينفد، وكلفة التأخير لن تُدفع بالمال، بل ستنعكس سلبًا على حياة الملايين وعلى مستقبل وطنٍ بأسره.
"يمن مونيتور"




















