تشخيص بنيوي معمّق لأزمة الحكم في اليمن منذ 2014، يوضح كيف تحوّل "التوافق" إلى تعطيل، و"الشرعية" إلى غطاء، و"الحكومة" إلى مساحة بلا قرار، مع إضاءات مقارنة وقراءة خاصة لعدن والجنوب، ومقترح عملي للانتقال من الشلل إلى الفعل.

لا يهدف هذا المقال إلى توزيع اللوم على أشخاص بعينهم، بقدر ما يسعى إلى تشخيص خللٍ بنيوي: كيف تحوّل منطق إدارة التوازنات داخل معسكر الشرعية إلى بديل عن إدارة الدولة، وكيف قادت المحاصصة الحزبية العمياء إلى شللٍ مؤسسي مزمن جعل اليمن يدور في حلقة «لا حرب تُحسم ولا سلام يُنجز»، بينما تتآكل الثقة العامة وتتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
  • من التوافق الضروري إلى تعليق الدولة
في لحظات الخطر الوجودي، يبدو التوافق الوطني ضرورة. ففي 2015 وما بعدها، كان المطلوب توحيد القوى المناهضة للانقلاب، وتحييد صراعات الهوية والمصالح، وتوجيه الموارد نحو هدف واحد: استعادة الدولة. لكن التوافق، حين لا يُحدّ بزمن ولا يُربط بخطة، يتحوّل من أداة عبور إلى نمط حكم دائم، ومن وسيلة لتجميع الإرادة إلى غطاء لتعليقها.

وتحت شعار «لا صوت يعلو فوق معركة استعادة الدولة»، جرى تعطيل أبسط مقتضيات الحكم: فلا قرارات جريئة كي لا ينقسم الصف، ولا مساءلة كي لا تُغضَب الأطراف، ولا إعادة هيكلة كي لا تختلّ التوازنات. وهكذا تشكّلت ثقافة تواكل سياسي تُدار فيها الخلافات بالهروب، ويُدار العجز بالانتظار، ويُدار الفشل بالصمت، وتصبح عبارة «الحفاظ على وحدة الصف» مرادفًا عمليًا لتعليق القرار.
  • حكومة بلا ائتلاف ولا برنامج
الحكومة الائتلافية — في معناها السياسي السليم — هي تحالف طوعي بين قوى مختلفة على أساس برنامج وأولويات وجدول زمني، مع توزيع مسؤوليات قابل للمحاسبة والتقييم. أما ما شهدته اليمن خلال السنوات العشر الماضية فلم يكن ائتلافًا بهذا المعنى، بل «تجميعًا» لقوى متباعدة داخل حكومة واحدة بلا عقد سياسي مُعلن، وبلا برنامج محدد، وبلا مؤشرات أداء.

لذلك غابت أسئلة الحكم الأساسية: ما هي أولويات الحرب والسلام؟ ما خطة الاستقرار الاقتصادي؟ ما سياسة الخدمات العامة؟ وما أدوات استعادة الموارد السيادية؟ وعندما تغيب هذه الأسئلة، تتحوّل الوزارات إلى «مواقع» أكثر من كونها «مهام»، وتتحوّل الحكومة إلى جهاز لإدارة تدفقات الرواتب وتوزيع المناصب والمخصصات على الأحزاب، لا جهازًا لإنتاج السياسات العامة.

هنا، فقدت المناصب علاقتها بالمسؤولية. فلم يعد الوزير يُحاسَب على الإنجاز، ولا يُستبدل على أساس الفشل، بل يُقيَّم بقدرته على الحفاظ على «حصة» الطرف الذي رشحه داخل الحكومة.
  • المحاصصة الحزبية العمياء: أصل الشلل
رغم إنكارها في الخطاب الرسمي، كانت المحاصصة هي المنطق العملي الحاكم: تمثيل القوى بدل إدارة الدولة، وتوازن النفوذ بدل الكفاءة المؤسسية، وتوزيع المواقع بدل صياغة السياسات. غير أنّ الخلل لم يكن في المحاصصة كفكرة تهدئة مؤقتة فحسب، بل في كونها أصبحت محاصصة «غير مُعلنة» و«غير دستورية» و«غير محدودة بزمن»، ما جعلها أكثر قابلية للتحوّل إلى نظام شلل دائم.

المحاصصة العمياء لا تنتج حكومة؛ إنها تنتج «لجنة» واسعة بلا قائد فعلي، حيث تصبح كل وزارة جزيرة شبه مستقلة، وكل مؤسسة ساحة تداخل نفوذ، وكل قرار يحتاج إجماعًا مستحيلًا. وفي غياب معارضة فعلية—لأن الجميع داخل الحكومة—تغيب المحاسبة السياسية، وتتآكل ثقة المجتمع، ويُستبدَل معيار «المصلحة العامة» بمعيار «مصلحة الحصة».
  • إضاءات مقارنة… وعدن بوصفها مرآة مُكثّفة
تساعد الإضاءات المقارنة على فهم الفرق بين «تقاسم سلطة» ينتج استقرارًا مؤقتًا، و«محاصصة» تنتج شللًا دائمًا. ففي لبنان والعراق، تحوّلت المحاصصة إلى نظام حكم: تتوزع الدولة بين المكونات، وتُشلّ القرارات الكبرى، وتُستبدَل السياسات العامة بتوازنات نفوذ، فتتآكل الدولة لصالح شبكات مصالح موازية. وتُظهر هذه التجارب أن المحاصصة عندما تصبح نمطًا دائمًا، تُصنّع أزمات متناسلة بدل حل الأزمات.

في المقابل، تُظهر تجارب مثل جنوب أفريقيا — وفي مرحلة ما تونس — أن التوافق الانتقالي يمكن أن يكون أداة عبور إذا ارتبط بأفق زمني واضح وإصلاحات مؤسسية تدريجية: دستور، انتخابات، إعادة بناء الثقة، ثم العودة إلى قواعد المنافسة السياسية والمساءلة.

أما في اليمن، فتبدو عدن والجنوب مرآة مكثفة للأزمة الوطنية: مدينة كان يمكن أن تكون مركز استعادة الدولة وإدارة الموارد والوظائف السيادية، تحوّلت في مراحل متعددة إلى ساحة تداخل سياسي–أمني ومنافسة نفوذ. غابت الرؤية التنموية لعدن كعاصمة مؤقتة / اقتصادية، وتراجعت هيبة المؤسسات أمام تعدد القوى، وتحوّل الصراع على «من يسيطر» إلى بديل عن سؤال «كيف تُدار المدينة وكيف تُحمى الخدمات والموارد؟».
  • من الشلل إلى الفعل.. ملامح انتقال ممكن
بعد عشر سنوات، تتضح الحصيلة القاسية: لا حرب حُسمت، ولا سلام أُنجز، ولا دولة أُعيد بناؤها، ولا اقتصاد استُعيد، ولا ثقة شعبية حُفظت. ليس لأن الظروف مستحيلة، بل لأن نموذج الحكم كان معطوبًا: توافق بلا سقف، ومحاصصة بلا مساءلة، وشرعية بلا مشروع.

الانتقال من الشلل إلى الفعل يبدأ بإعادة تعريف الشرعية بوصفها «وظيفة دولة» لا «صفة اعتراف»، ثم يتطلب خمسة ملامح عملية:

أولًا: وضوح الهدف والأولويات ومعنى الشراكة داخل معسكر الشرعية، والإقرار بأن التوافق آلية انتقال لا نمط حكم دائم، مع سرعة تشكيل حكومة كفاءات يقودها رجال دولة، لا حصص حزبية.

ثانيًا: برنامج حكومي مختصر وواضح (حرب/ سلام، اقتصاد، خدمات، موارد سيادية) بجدول زمني ومؤشرات قياس منشورة للرأي العام.

ثالثًا: تحويل المناصب من حصص إلى مهام، عبر قواعد تعيين وتقييم واستبدال ترتبط بالإنجاز، مع إحياء دور الرقابة والمساءلة.

رابعًا: توحيد مركز القرار التنفيذي وإغلاق أبواب الازدواج المؤسسي، لأن الدولة لا تعمل بمنطق «عدة حكومات داخل حكومة».

خامسًا: جعل عدن نموذجًا عمليًا للحكم الرشيد: أمنٌ منضبط، إدارة موارد شفافة، وخدمات تُقاس وتُحاسَب، لأن استعادة الثقة تبدأ من المدينة التي يجب أن تكون واجهة الدولة.

الخلاصة: المشكلة ليست نقص الشرعية، بقدر ما هي تحويل الشرعية إلى بديل عن الدولة. وحين تعود الدولة إلى مركز المعادلة - قرارًا ومسؤولية ومحاسبة - يصبح الحديث عن استعادة السيادة واقعيًا لا خطابيًا.