> بقلم: م/أحمد صالح الغلام العمودي
- سؤال المصير: حضرموت إلى أين؟
- الواقعية السياسية في مواجهة السرديات المخاتلة
وإذا كان الأمر كذلك، فهنا يبرز السؤال الأخطر: إذن، لماذا يجري تسويق سرديات مخاتلة وملتبسة من قبيل: "حضرموت إقليم في دولة اتحادية يمنية، أو دولة مستقلة إذا كان الحل العودة إلى خيار الدولتين"؟! والجواب المنطقي، إن هذا العزف على عصب الافتخار الشوفيني وأمجاد الماضي لا يعدو كونه محاولة لإرباك المشهد، وإعاقة مشروع استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على إقليمها بحدود ما قبل 1990.. إذ لا نتيجة منطقية لمسار هذه السردية المخاتلة سوى الارتهان مجددًا لصنعاء! ويدرك من يرفعون هذا الشعار من إخوتنا، قبل غيرهم، أن لا قبولًا وازنًا للبقاء تحت سقف الوحدة اليمنية، لا في حضرموت ولا في محافظات الجنوب الأخرى، بل سيكون لهذا الخطاب إذا ما أَفصَح عنه أصحابه علانيةً آثار سياسية عكسية مدمرة عليهم؛ ولذلك يُغلَّف هذا الخيار بخطاب انتقائي يغازل المشاعر، في استغلال فجّ لبسطاء الناس.
ولتفنيد هذا المخاتلة، علينا التوقف في صميم هذا السجال، أمام السكوت المريب المُطبق على شيوخ الدين في الهضبة الزيدية، وعلى القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت عباءة الشرعية، وكذلك أيضًا الحوثية المسيطرة على الشمال، هذا السكوت إزاء من يرفعون شعار "مشروع دولة حضرموت المستقلة"؛ وهو، وفق منطقهم المعلن، الأخطر على ما يسمونه "الوحدة اليمنية ". فمن نافلة القول أن شيوخ الهضبة الزيدية قد دأبوا، في خطابهم الديني ــ السياسي، على تصوير فك الارتباط عن الوحدة "الانفصال" بوصفه خروجًا عن الدين، وانحرافًا عن الجماعة، بل ضربًا من ضروب الردة السياسية المؤثمة شرعًا، فيما لم تتردد القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت عباءة الشرعية في التلويح العلني بالاصطفاف مع الحوثي ضد الجنوب إذا ما تم المساس بالوحدة، في ابتزاز جيوسياسي مكشوف لدول التحالف العربي. والمفارقة اللافتة هنا ذات الدلالة، هي أننا لا نجد فتاوى تكفير، ولا تحذير، ولا حتى إدانة شكلية. وهنا يبرز السؤال الاستنكاري باحثًا عن تفسير: لماذا هذا الصمت؟ أليس في ذلك ما يكشف عن تنسيق ضمني واتفاق غير معلن بين الصادح بالشعار والساكت عنه، مفاده أن جوهر هذا الشعار لا يستهدف تمكين حضرموت من تقرير مصيرها وحقوقها، بل إبقاء حضرموت والجنوب تحت عباءة الهضبة الزيدية، من خلال وضع العصي في دواليب مشروع استعادة سيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؟! ولذلك، فإن هذا الشعار، عند إخضاعه للتحليل الجيوسياسي، لا يبدو سوى أداة لتشتيت الوعي الجنوبي، وكسر مشروع استعادة سيادة الدولة الجنوبية ما قبل 1990، عبر سردية استقلال ظاهرها التحرر وباطنها إعادة إنتاج الوصاية، في مفارقة لا تخلو من سخرية التاريخ.
ولا يعني هذا الطرح، بطبيعة الحال، مصادرة حق مَن يؤمنون بالوحدة اليمنية عن قناعة أصيلة صادقة لا ادعاء فيها؛ فهؤلاء يستحقون كامل الاحترام لاتساقهم مع ذواتهم. إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في "القناعة" بل في "المراوغة"، وتحديدًا ذلك البعض الذي يتخندق خلف شعارات "مخاتلة" تعتمد نهج "الفهلوة السياسية" عبر استغلال جراح الماضي، وتعمد الخلط ــ جهلًا أم قصدًا ــ بين "استعادة سيادة الدولة الجنوبية" وبين "استعادة النظام السياسي الشمولي السابق" بكل إرثه اليساري وتجاوزاته. إن هذا الخلط المتعمد يهدف الترهيب والتضليل في استغلال فجّ لمشاعر من تضرروا من إجراءات ما قبل 1990. وهنا وجب تفنيد هذا الزيف بالقول: إن الهدف هو استعادة سيادة الدولة على إقليمها الجغرافي المعترف به دولياً، لا استعادة نظام سياسي ولّى زمانه؛ فالدولة القادمة تنشد بناء نظام جديد كلياً، يستند إلى التعددية والعدالة الاتحادية، كما أن شروط استعادة النظام السابق قد انتفت موضوعيًا وذاتيًا بموت أيديولوجياته وتغير موازين القوى الكونية والمحلية. ومن هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه، الذي تتطلب إجابته جرأة ومجابهة صادقة مع النفس لا هروب التفافي منه: ما هي المعضلة الموضوعية في أن تكون حضرموت "إقليمًا اتحاديًا" بخصوصية كاملة ضمن جغرافية الدولة الجنوبية المستعادة؟ ولماذا يُراد إقناعنا بأن حضرموت لا تصلحُ كإقليم سيادي إلا إذا ارتهنت لصنعاء حصرًا؟! إن هذه الأسئلة، والإجابة عليها كفيلة بتفكيك حجم التناقض البنيوي في تلك السرديات، وكشف ما يتخفى خلف "أقنعة الحرص" الزائفة.
- موازين التمثيل بين ديمقراطية الغرف المغلقة والثقل الجماهيري الحي
وفي معرض هذا المناخ المشحون بالتجاذبات السياسية، يغدو الحديث عن أي حوار ــ سواء أكان "جنوبيًا ــ جنوبيًا" أم "حضرميًا ــ حضرميًا" حديثًا منقوص المعنى مختل المبنى، ما لم يقم على قاعدة صلبة قوامها استيعاب المشارب والرؤى كافة دونما استثناء أو مواربة. ولعله من المعلوم، إن العدالة السياسية للآراء لا تستقيم بالركون إلى وضع علامة يساوي بين الآراء المتناقضة، بل بالاحتكام الصارم لميزان " الأوزان النسبية " للثقل الجماهيري الحقيقي لهذه الآراء؛ وهو مآل لن يبلغ تمامه إلا بترجيح الإرادة عبر استفتاء شعبي يقرر فيه الشعب وحده مسار الفَصْل في مصيره. أما الاتكاء على أدوات السلطة الفوقية، والاستقواء بـها، فإنه، في منطق التجارب السياسية المقارنة، ليس سوى نذير شؤم يشي بانسداد أفق الحل، ويؤسس لصراعات بنيوية مريرة ستُضاف حتماً إلى سجل الدولة الهشة وأزماتها وصراعاتها المؤجلة.
ومما يفرضه مقتضى الحال هنا، هو جهرنا بالسؤال المشروع الذي يلامس جوهر الشرعية: إلى أين ستفضي مخرجات اللجنة التحضيرية للحوار، تلك المشكلة بقرار من الأستاذ عضو مجلس القيادة الرئاسي، ومحافظ محافظة حضرموت، الأخ سالم أحمد الخنبشي: هل يُراد لهذه المخرجات أن تُساق إلى "نخبة منتقاة سلفاً"، تُفصِّل رداءً لتموضع حضرموت السياسي يوافق مقاساتها، بدعوى النيابة عن أبنائها؟ أم أن نُبل المقصد سيقودها إلى مؤتمر "حضرمي ــ حضرمي" جامع، يمنح ألوان الطيف المجتمعي والسياسي حضوراً يتناسب مع أحجامها وثقلها الوازن على أرض الواقع؟
وفي سياق متصل، ولا يقل أهمية عما سبق، هو استجلاء المعايير والمقاييس الحاكمة لاصطفاء الممثلين في أية هيئة كانت؛ فالسؤال القلق بمرارته: كيف تُوزن آراء الرجال والمكونات، وكيف تُرجح الإرادات في عتمة الغرف المغلقة، بعيدًا عن أوزانها الحقيقية في المجتمع؟ إن غياب الشفافية في هندسة التمثيل ليس إلا مدخلاً لاغتيال الإرادة الشعبية، وتكريسًا لشرعيات هشة لا تملك من أمر الواقع شيئًا.
- حين تلتفّ اللعنات على أصحابها
ولا مناص في هذا السجال من المصارحة: إن القوى التي ترفع اليوم هذا الشعار، إن كانت تنشد استقلالًا حقيقيًا ناجزًا لا صوريًّا، ستجد نفسها أمام حقيقة جيوسياسية قاهرة تتمثل في أن الانضواء تحت سقف الجنوب ــ سياسيًا وتاريخيًا ــ يظل أقل كلفة، وأوضح مسارًا، وأكثر واقعية لتحقيق هذا المشروع، مقارنةً بمحاولة انتزاعه عبر فك الارتباط المباشر مع نخب الهضبة الزيدية والشمال عمومًا، تلك النخب التي لم تبرح تتمسك بـشعار الوحدة حتى الموت، مع استعدادها المطلق لإفشال أي مشروع سيادي يتعارض مع مركزية مركزي صنعاء الإلهي والتاريخي المقدسيْن. فالتاريخ القريب، ومنطق توازن القوى في الإقليم، يشيان بأن مواجهة هذه النخب منفردة، خارج إطار جنوبي جامع في اللحظة الراهنة، ليست سوى مقامرة عالية الكلفة، تُغلَّف بخطابات خادعة، بينما تفتقر إلى أدوات القوة والمنعة السياسية والشرعية اللازمة لإنجاز استقلال فعلي محسوب.
- ألغام الإقليم الشرقي كمتفجر موقوت للدولة المؤجَّلة
وفي هذا السياق، جرى تسييس المظلوميات، لا لإنصافها، بل لتوظيفها، وجرى النبش في جراح ما قبل 1990، لا بوصفه قراءة نقدية للتاريخ، بل كسلاحٍ لتفكيك الحاضر، في تزامن مريب مع تعميةٍ متعمدة أقرب إلى الإنكار المنهجي، لما ارتُكب بحق الجنوب وحضرموت منذ 1990 وحتى اللحظة. وهنا تكمن الخديعة الكبرى: تحويل الألم الحقيقي إلى أداة اغتيال لمشروع استعادة سيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لا إلى مدخلٍ لمعالجة عادلة أو مصالحة تاريخية.. فـالإقليم الشرقي، في بنيته الهندسية المصمَّمة سلفًا، ليس كيانًا إداريًا محايدًا، ولا استجابة بريئة لتعقيد الواقع، بل حقل ألغامٍ سياسي وهوياتي، متعدِّد الطبقات والمستويات.. ألغامه لم تُزرع بينه وبين الأقاليم الأخرى المجاورة له فقط، ولا بين محافظاته المنضوية تحت لوائه فقط أيضًا، بل في داخل كل محافظة على حدة في سردياتها، وفي تعريفها لذاتها، وفي علاقتها بأخواتها في الجوار الداخلي.. فالمهرة وسقطرى وشبوة لكلٍّ منها حكايتها الخاصة، بل جراحها المختلفة، غير أن حضرموت تقف في القلب من هذا التشظي، بوصفها العقدة المركزية، وبيت القصيد في هذا العصيد السياسي المتخم بالتناقضات. ولا يُستبعد، في مناخٍ كهذا، أن تُستدعى أطياف السيادة من الماضي ــ الدولة القعيطية والدولة الكثيرية، وما دونهما ــ لا باعتبارهما تاريخًا يُدرَس، بل كرايات صراعٍ تُرفع لتنازع الحاضر شرعيته، في متواليةٍ لا تنتهي من التفكك، حيث يصبح الماضي سلاحًا، لا ذاكرة.
غير أن الألغام المزروعة في هذا التصميم الهندسي الحذق لا تتوقف عند الجغرافيا ولا عند التاريخ، بل تمتد عموديًا داخل المجتمع الحضرمي ذاته، عبر ضرب هويته "الصوفية" الوسطية المتسامحة في مقتل، عبر استيراد وحقن تياراتٍ متشددة في جسده، بعد أن لفظتها بيئاتها الأصلية، وأُلقيَ بها في "المكب الخلفي". ولا يمكن إغفال اللغم الأخطر، المتمثل في بروز منطق "الاستحقاق القبلي المطلق" الذي يمنح القبيلة سيادةً تناقض منطق الدولة الجامعة، وهذا، في جوهره، ليس إلا استنساخًا دقيقًا لاستراتيجية الاستتباع السياسي للهضبة الزيدية في معادلات السياسة والحكم وغرسها في حضرموت، حيث تُضعَف المواطنة لصالح الولاءات الأولية، وتُفرَّغ الدولة من معناها، لتغدو واجهة وهيكلًا ديكوريًا صوريًا تحركها مراكز النفوذ وفق اتجاهات رياح مصالحها، المرتبطة بالضرورة بمصالح إقليمية.
إن رهان نُخَب الشمال بواجهاتها المختلفة: القبلية والدينية والعسكرية والسياسية والثقافية في هندسة هذا الإقليم الملغَّم، تتجسد في أن تَبقى المحافظات المنضوية فيه في حالة تنافرٍ قيادي دائم، وتظل كل محافظة مشغولة بألغامها الداخلية، بحيث تُستنزف الطاقات في صراعاتٍ جانبية، ويُترك " الخصم الحقيقي " خارج دائرة المساءلة. وبهذا، تُصان "وحدة اليمن السعيد" ــ الذي لا نعرف متى كان سعيدًا ــ لا بوصفها عقدًا وطنيًا، بل كوصايةٍ مفروضة، منسجمة مع توازنات القوى الإقليمية، الكبيرة والصغيرة منها والقريبة والبعيدة على السوى، فوق خارطة يمنية ممزقة، في صراعٍ قديم يتجدد بواجهاتٍ جديدة، على النحو الذي يضمن لهذه النخب إدارة هذه الصراعات وديمومة الهيمنة.
ولضرورة الإخراج المسرحي لهندسة هذا التصميم، كان لابد من الالتفافة المخاتلة لسردية في ظاهرها محبة وفي باطنها لؤم: "حضرموت إقليم في الجمهورية اليمنية، أو دولة إذا كان الحل دولتين" .. صيغة تبدو للوهلة الأولى مرنة، لكنها في حقيقتها لغمٌ سياسي مؤجَّل، يُفجَّر متى ما دَعت الحاجة لإعادة ضبط المشهد. فهي لا تمنح حضرموت حق تقرير مصيرها حسب مزاعم من يرفعون الشعار، ولا تفتح أفق دولة حقيقية، بل تُبقيها معلَّقة بين خيارين مُلغَّمين، تُستدعى كورقة ضغط عند كل منعطف. وهكذا، لا يغدو الإقليم الشرقي مشروع حل، بل آلية لإدارة الصراع، ولا مدخلًا للدولة، بل وسيلة لإدامة اللادولة؛ حيث تتبدل الأسماء والواجهات، فيما يبقى الجوهر واحدًا: سيادةٌ مُصادَرة، ودولةٌ مؤجَّلة، ولغمٌ مزروع في قلب الجغرافيا، ينتظر لحظة التفجير.
- مشروعية استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ما قبل 1990
- المشروع الواقعي والانحياز العقلاني.. حضرموت قاطرة الجنوب لا مقطورة
أما الاستمرار في الوحدة اليمنية، فليس خيارًا محايدًا ولا قابلًا للإصلاح بالترقيع، بل هو في جوهره خيارٌ مدمِّر للشمال والجنوب معًا؛ ذلك أن الإشكال لا يعد سياسيًا صرفًا يمكن احتواؤه بتسويات شكلية عابرة، بل هو إشكال حضاري وثقافي عميق، نابع من تباينات بنيوية في أنماط الاجتماع السياسي، ومنظومات القيم، ومفهوم الدولة والحكم، والعلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن ثم، فإن مشكلة حضرموت والجنوب مع الشمال، كما نراها، هي في الأساس مشكلة حضارية ثقافية قبل أن تكون سياسية، وإن طال شرحها.
إن هذا الموقف ينبغي ألا يُفهم أنه صادر عن كراهية عمياء لفكرة الوحدة من باب الخصومة، ولا عن عداء عاطفي لليمن كجغرافيا أو شعب كريم، ولا عن حنين وعشق رومانسي لذكرى دولة منقضية، مُثقَل بالأوهام لدولة ما قبل 1990، بل هو، في نظر صاحبه، انحياز عقلاني لمشروع سياسي يُمثّل، في ميزان الواقع الخيار الأمثل والأقل كلفة والأكثر ضمانًا لحضرموت والجنوب وللشمال سوية.. انحياز لمشروع ممكن، تُقاس جدواه بقراءة الوقائع، لا على الانفعالات والاندفاعات اللحظية.. مشروع ــ دولة جنوبية اتحادية عادلة ــ هو الإطار الوحيد، كما نظن، القادر على استيعاب الوزن الاستراتيجي لحضرموت، وتعظيم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، وصون خصوصيتها التاريخية والاجتماعية، دون أن تكون تابعًا أو هامشًا في معادلة تُدار من خارجها. دولةٌ تكون فيها حضرموت فاعلًا مؤسسًا لا ملحقًا وظيفيًا، وشريكًا في القرار لا مجرد ساحة نفوذ. وفي معرض هذا التصور، فإن الرهان ليس على دولة جنوبية تُعيد إنتاج المركزية بأسماء جديدة، بل على دولة اتحادية حقيقية، تكون حضرموت فيها قاطرة المشروع الوطني الجنوبي، لا مقطورة تُسحَب وفق أهواء مراكز القرار. دولة تُدار بمنطق التوازن لا الغلبة، وبالعقل لا بالثأر، وبالمصالح لا بالهتافات.
- خاتمة: الشك مِلح الحكمة وضمير السياسة
والله من وراء القصد وهو الموفق والمستعان


















