> جمال شنيتر:
يتذكر مهندس الصوت في إذاعة سيئون أحمد بزعل ذلك اليوم جيداً، حين انقطعت الإشارة الصوتية بسبب الأمطار الغزيرة، شعر بقلق للحظات، إذ بدت ثواني الانتظار وكأنها ساعات، لكن خبرته جعلته يتصرف بسرعة، فاستخدم الشريط الاحتياط المسجل للأذان، فعاد البث ليملأ البيوت ويصل إلى كل أسرة، في رسالة صوتية من قلب المدينة إلى كل بيت.

واستمر هذا الوضع أعواماً طويلة حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين حصلت الإذاعة على جهاز بث رقمي بقدرة 25 كيلوواط، مما أدى إلى توسع نطاق انتشارها، فلم يعد بثها يقتصر على حضرموت الوادي والساحل، بل امتد إلى محافظات مجاورة وحتى إلى دول قريبة مثل السعودية وسلطنة عمان.
ومع دخول التقنيات الحديثة شهدت الإذاعة نقلة نوعية، وأصبحت من الإذاعات البارزة مع انتشار محطات "أف أم" في مختلف مديريات المحافظة.
ويتذكر كيف كان هو وزملاؤه يعيشون تلك اللحظات الاستثنائية عند أذان المغرب قائلاً "أقول لكم بصراحة، في غرف الإذاعة كنا نتناول الإفطار بسرعة، لكن أعيننا كانت على لوحة التحكم وآذاننا على ترددات الأثير.
كنا نحاول في كل ثانية أن نضمن وصول الأذان بدقة من حيث التوقيت والوضوح، وبعد الإفطار نتابع البث ونقدم باقة من البرامج الدينية، ثم تستمر البرامج العامة من أخبار وفعاليات إلى المستمعين، كما كانت الإذاعة تنقل صلاتي العشاء والتراويح، فكان العمل مضاعفاً، وجوعنا ووجباتنا السريعة لم تكن أبداً عذراً للتقصير في البث".
وقد ترك النقل الإذاعي لأذان المغرب، على وجه الخصوص، انطباعات جميلة وارتياحاً كبيراً لدى أبناء سيئون، لما كان يحمله من طابع روحاني واجتماعي يجمع الناس على لحظة واحدة من الخشوع والطمأنينة.
وفي رمضان كانت للإذاعة مكانة خاصة تختلف عن بقية أشهر السنة، إذ ارتبط بها سكان مديريات وادي حضرموت ارتباطاً وثيقاً، وكانوا يعلقون على دقة توقيت الأذان ويعدونها خدمة أساسية لا غنى عنها، خصوصاً لمن لا يستطيع الوصول إلى المسجد أو من لا يصل إليه صوت الأذان في منزله، وفي تلك اللحظة الرمضانية كان صوت الأذان عبر الأثير يجمع العائلات حول موائد الإفطار، ويخلق لحظة من الصفاء والدفء، كأن المدينة كلها تتنفس بقلب واحد.

ومن الطبيعي، كما يقول بزعل، أن يحدث أحياناً خلل فني أثناء النقل المباشر، لذلك كان الفريق الفني يراقب عملية البث بدقة، وفي حال وقوع أي عطل، وهو أمر نادر، كان هناك شريط مسجل بصوت المؤذن يستخدم بديلاً احتياطاً.
ويشير إلى أن أجهزة الاستوديو في تلك الفترة كانت تعتمد على أجهزة تسجيل وتشغيل صوتي قديمة تعرف بـ"الريل"، وهي الأجهزة التي استخدمت في الإذاعات والاستوديوهات قبل ظهور أشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة، ثم الأنظمة الرقمية والتقنيات الحديثة.
وأوضح أنه تابع أذان المغرب عبر الإذاعة منذ طفولته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينيات، إذ كان الأذان ينقل من مساجد عدن الشهيرة مثل العسقلاني وأبان والعيدروس في كريتر، والهاشمي والنور في الشيخ عثمان.
ولفت إلى أن الإذاعة كانت تبث قبل الأذان تلاوات قرآنية لعدد من كبار القراء، من بينهم عبدالباسط عبدالصمد، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمد محمود الطبلاوي، وهو ما كان يهيئ الناس نفسياً وروحياً للإفطار.
وأضاف أن الأسر العدنية كانت تحرص على متابعة الإذاعة، بل إن بعض الأهالي كانوا يتجمعون حول مذياع واحد في أجواء يسودها الفرح والترقب.
ويستذكر الدباني عدداً من مذيعي إذاعة عدن الذين ارتبطت أصواتهم بتلك المرحلة وبالتهيئة اليومية لنقل الأذان، ومنهم يحيى عثمان وجهاد لطفي وسعيد ناصر وفوزية باسودان وفيصل باعباد وعبدالرحمن جعفر وجميل مهدي.
ومن بين تلك العادات المسحراتي الذي كان يجوب الأحياء لإيقاظ الناس للسحور، ومدفع رمضان الذي يعلن وقتي الإفطار والإمساك، إضافة إلى احتفالات الأطفال وتوزيع الحلويات ابتهاجاً بقدوم الشهر الفضيل، وغيرها من المظاهر التي كانت تضفي على رمضان روحاً مميزة وأجواء لا تنسى.
ويضيف أن بعض سكان المناطق النائية كانوا يتأخرون عن الإفطار ما بين خمس وثماني دقائق، انتظاراً لرفع الأذان عبر الإذاعة.
وكان شغف الريف بالإذاعة في رمضان واضحاً، إذ لم يقتصر الأمر على متابعة الأذان، بل امتد إلى الاستماع لباقة من البرامج والمسلسلات الإذاعية التي جذبت الجمهور، مثل مسلسل "الأساطير اليمنية" و"نشوان والراعية" وغيرهما، لتصبح الإذاعة جزءاً أصيلاً من الطقوس الرمضانية اليومية، وجسراً يجمع بين الترفيه والروحانية للمستمعين في الريف والمدن على حد سواء.
ويختتم الدباني حديثه متأسفاً لتوقف الإذاعة العريقة بعد الحرب التي شنتها جماعة الحوثي على عدن عام 2015، وما رافق ذلك من أعمال نهب طاولت أجزاء من ممتلكاتها.
ويؤكد أن الإذاعة تمثل جزءاً مهماً من التاريخ الثقافي والديني والحضاري للمدينة، لما قدمته من محتوى ثقافي وديني واسع، فضلاً عن دورها في تعزيز الروابط الروحية والاجتماعية بين الناس، مطالباً الحكومة اليمنية بإعادة افتتاحها.
"اندبندنت عربية"
- بداية متواضعة
في الصباح كانت البرقية مخصصة للتواصل بين الحكومة وبلديات المحافظة في ظل غياب الاتصالات الهاتفية، بينما كان يجري تشغيلها مساء للبث الإذاعي بعد تغيير التردد.

مهندس الصوت احمد بزعل (اندبندنت عربية)
ومع دخول التقنيات الحديثة شهدت الإذاعة نقلة نوعية، وأصبحت من الإذاعات البارزة مع انتشار محطات "أف أم" في مختلف مديريات المحافظة.
- أكثر من مجرد محطة
ويتذكر كيف كان هو وزملاؤه يعيشون تلك اللحظات الاستثنائية عند أذان المغرب قائلاً "أقول لكم بصراحة، في غرف الإذاعة كنا نتناول الإفطار بسرعة، لكن أعيننا كانت على لوحة التحكم وآذاننا على ترددات الأثير.
كنا نحاول في كل ثانية أن نضمن وصول الأذان بدقة من حيث التوقيت والوضوح، وبعد الإفطار نتابع البث ونقدم باقة من البرامج الدينية، ثم تستمر البرامج العامة من أخبار وفعاليات إلى المستمعين، كما كانت الإذاعة تنقل صلاتي العشاء والتراويح، فكان العمل مضاعفاً، وجوعنا ووجباتنا السريعة لم تكن أبداً عذراً للتقصير في البث".
- طابع روحاني واجتماعي
وقد ترك النقل الإذاعي لأذان المغرب، على وجه الخصوص، انطباعات جميلة وارتياحاً كبيراً لدى أبناء سيئون، لما كان يحمله من طابع روحاني واجتماعي يجمع الناس على لحظة واحدة من الخشوع والطمأنينة.
وفي رمضان كانت للإذاعة مكانة خاصة تختلف عن بقية أشهر السنة، إذ ارتبط بها سكان مديريات وادي حضرموت ارتباطاً وثيقاً، وكانوا يعلقون على دقة توقيت الأذان ويعدونها خدمة أساسية لا غنى عنها، خصوصاً لمن لا يستطيع الوصول إلى المسجد أو من لا يصل إليه صوت الأذان في منزله، وفي تلك اللحظة الرمضانية كان صوت الأذان عبر الأثير يجمع العائلات حول موائد الإفطار، ويخلق لحظة من الصفاء والدفء، كأن المدينة كلها تتنفس بقلب واحد.
- هنا سيئون
ويضيف أن الاستعداد للنقل كان يبدأ قبل موعد الإفطار بدقائق "وقبل الأذان بدقيقة واحدة يرسل المؤذن في الجامع إشارة لنا للاستعداد، ثم يتدخل المذيع المناوب مهيئاً للبث بقوله، هنا إذاعة سيئون، حان الآن موعد رفع أذان المغرب من جامع سيئون الكبير حسب التوقيت المحلي لمدينة سيئون وضواحيها، ونرجو من المواطنين في المناطق الأخرى مراعاة فارق التوقيت".

أُسست إذاعة سيئون عام 1973 (اندبندنت عربية)
ويشير إلى أن أجهزة الاستوديو في تلك الفترة كانت تعتمد على أجهزة تسجيل وتشغيل صوتي قديمة تعرف بـ"الريل"، وهي الأجهزة التي استخدمت في الإذاعات والاستوديوهات قبل ظهور أشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة، ثم الأنظمة الرقمية والتقنيات الحديثة.
- الذاكرة العدنية
وأوضح أنه تابع أذان المغرب عبر الإذاعة منذ طفولته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينيات، إذ كان الأذان ينقل من مساجد عدن الشهيرة مثل العسقلاني وأبان والعيدروس في كريتر، والهاشمي والنور في الشيخ عثمان.
ولفت إلى أن الإذاعة كانت تبث قبل الأذان تلاوات قرآنية لعدد من كبار القراء، من بينهم عبدالباسط عبدالصمد، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمد محمود الطبلاوي، وهو ما كان يهيئ الناس نفسياً وروحياً للإفطار.
وأضاف أن الأسر العدنية كانت تحرص على متابعة الإذاعة، بل إن بعض الأهالي كانوا يتجمعون حول مذياع واحد في أجواء يسودها الفرح والترقب.
ويستذكر الدباني عدداً من مذيعي إذاعة عدن الذين ارتبطت أصواتهم بتلك المرحلة وبالتهيئة اليومية لنقل الأذان، ومنهم يحيى عثمان وجهاد لطفي وسعيد ناصر وفوزية باسودان وفيصل باعباد وعبدالرحمن جعفر وجميل مهدي.
- طقوس توارثتها الأجيال
ومن بين تلك العادات المسحراتي الذي كان يجوب الأحياء لإيقاظ الناس للسحور، ومدفع رمضان الذي يعلن وقتي الإفطار والإمساك، إضافة إلى احتفالات الأطفال وتوزيع الحلويات ابتهاجاً بقدوم الشهر الفضيل، وغيرها من المظاهر التي كانت تضفي على رمضان روحاً مميزة وأجواء لا تنسى.
- الريف حاضراً
ويضيف أن بعض سكان المناطق النائية كانوا يتأخرون عن الإفطار ما بين خمس وثماني دقائق، انتظاراً لرفع الأذان عبر الإذاعة.
وكان شغف الريف بالإذاعة في رمضان واضحاً، إذ لم يقتصر الأمر على متابعة الأذان، بل امتد إلى الاستماع لباقة من البرامج والمسلسلات الإذاعية التي جذبت الجمهور، مثل مسلسل "الأساطير اليمنية" و"نشوان والراعية" وغيرهما، لتصبح الإذاعة جزءاً أصيلاً من الطقوس الرمضانية اليومية، وجسراً يجمع بين الترفيه والروحانية للمستمعين في الريف والمدن على حد سواء.
ويختتم الدباني حديثه متأسفاً لتوقف الإذاعة العريقة بعد الحرب التي شنتها جماعة الحوثي على عدن عام 2015، وما رافق ذلك من أعمال نهب طاولت أجزاء من ممتلكاتها.
ويؤكد أن الإذاعة تمثل جزءاً مهماً من التاريخ الثقافي والديني والحضاري للمدينة، لما قدمته من محتوى ثقافي وديني واسع، فضلاً عن دورها في تعزيز الروابط الروحية والاجتماعية بين الناس، مطالباً الحكومة اليمنية بإعادة افتتاحها.
"اندبندنت عربية"
















