في مدينة عدن لا يبدو الجدل اليوم متعلقًا بمدرسة هنا أو مبنى هناك بل بات متعلقًا بسؤال أكبر وأكثر إيلامًا كيف تحول الفضاء العام من ملكيةٍ محمية بالقانون إلى مساحة مفتوحة للتصرف الاستقطاع والتوظيف غير المنضبط؟

في قلب هذا المشهد تقف مدرسة الإقامة (السيلة) في كريتر كرمز مكثف لحالة الانحدار التي طالت بعض المعالم التعليمية والتاريخية ليس فقط بفعل الإهمال أو الحرب بل بفعل تراكمات من القرارات والممارسات التي أعادت تشكيل وظيفة المكان خارج غايته الأصلية.

أولًا: من صرح تعليمي إلى واقع مشوه الوظيفة.

مدرسة الإقامة بوصفها أحد أقدم المعالم التعليمية في عدن، لم تعد اليوم كما كانت؛ فالمبنى الذي ارتبط بتاريخ التعليم المدني في المدينة جرى التعامل معه خلال فترات سابقة باعتباره مساحة قابلة لإعادة التوظيف لا باعتباره قيمة تعليمية وتاريخية محمية.

الأخطر في هذا المسار أن المبنى الواقع في عهدة التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع شهد عبر سنوات سابقة تحويل أجزاء منه ومحيطه إلى محلات تجارية مؤجرة بعوائد مالية بالدولار و أحيانا بالعملة المحلية إلى جانب إدخال إضافات إنشائية وتشطيبات غير منسجمة مع طابعه المعماري الأصلي.. هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها كاستثمار إداري بل هي من حيث المبدأ تغيير في طبيعة استعمال مرفق عام ذي طابع تعليمي وتاريخي بما يشكل خروجًا عن قواعد حماية الممتلكات العامة والمعالم ذات القيمة التراثية فضلًا عن تأثيره المباشر في تشويه المشهد العمراني للموقع.

ثانيا: الحرب 2015 تعميق الفقد لا بدايته.. جاءت حرب 2015م لتضيف طبقة جديدة من الانهيار حيث تعرض المبنى لنهب وتخريب وفقدان محتوياته ما عمق حالة التدهور البنيوي والمعماري.

لكن المشكلة الجوهرية أن ما بعد الحرب لم ينتج مشروع إنقاذ حقيقي بل سمح باستمرار حالة (اللا ضبط) حيث بقيت بعض أوجه الاستخدام غير المنضبط قائمة في غياب معالجة جذرية تعيد للمبنى وظيفته الأصلية أو على الأقل توقف تدهوره.

ثالثا: الظاهرة الأوسع.. استقطاع حرم المدارس كنهج متكرر.. ما يجري في مدرسة الإقامة ليس حالة منفردة بل جزء من نمط أوسع يتمثل في استقطاع أجزاء من حرم المدارس الأساسية والثانوية والجامعية.. إعادة توظيفها لمصالح خاصة أو شبه تجارية.. تقليص المساحات التعليمية لصالح استخدامات لا تمت للتعليم بصلة.. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية أن يتحول الاستثناء إلى ممارسة والمخالفة إلى واقع متكرر بما يهدد جوهر العملية التعليمية نفسها.

رابعا: امتداد التشويه إلى المعالم التاريخية والسياحية كما تبرز في السياق ذاته قضايا لا تقل خطورة تتمثل في محاولات مستمرة من قبل بعض الأشخاص النافذين الذين حصلوا على عقود أو تسهيلات للبناء السكني الخاص داخل أو بمحاذاة حرم ومحيط عدد من المعالم الأثرية والتاريخية والسياحية والتي تعد في الوقت ذاته مواقع ذات قيمة رمزية و مزارات عامة. هذه الممارسات لا تمثل مجرد توسع عمراني غير منضبط، بل تشكل عمليًّا اعتداء على الحرم المكاني للمعلم التاريخي

تشويها بصريا ومعماريًّا للهوية الأصلية للموقع إضعافًا لقيمته السياحية والثقافية وإعادة تعريف غير مشروعة لوظيفته العامة وعندما تتكرر هذه النماذج فإنها تكشف عن خلل أعمق في منظومة إدارة الأرض والمعالم العامة حيث يعاد التعامل مع التراث وكأنه مخزون عقاري قابل للتصرف لا ذاكرة حضارية واجبة الحماية.

خامسا: بين الإصلاح والإرث المتراكم.. في مقابل هذا المشهد المعقد تبرز محاولات رسمية لإعادة ضبط الواقع كان من بينها توجهات محافظ العاصمة عبد الرحمن شيخ في دعم قطاع التعليم وحماية العملية التعليمية وهو توجه لاقى قبولا مجتمعيا باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكن هذه الجهود مهما كانت إيجابية تبقى بحاجة إلى ما هو أعمق من القرارات الظرفية إلى مراجعة شاملة لبنية العلاقة بين السلطة الإدارية والممتلكات العامة وإعادة تعريف حدود التصرف بحيث لا تترك المعالم التعليمية و التاريخية عرضة لاجتهادات فردية أو نفوذ غير منضبط المعلم ليس جدارًا؛ بل ذاكرة مدينة.

القضية في جوهرها ليست مدرسة الإقامة وحدها ولا مجموعة مبان متفرقة بل هي سؤال عن معنى الدولة في إدارة ذاكرتها.. فحين تتحول المدرسة إلى محلات والمعلم التاريخي إلى مشروع سكني وحرم التعليم إلى مساحة مستقطعة فإننا لا نفقد المباني فقط بل نفقد الفكرة ذاتها.

إن استعادة هذه المعالم لا تعني ترميم الخرسانة بل تعني إعادة الاعتبار لمبدأ بسيط لكنه حاسم.

إن الفضاء العام ليس ملكًا للتصرف بل أمانة للتاريخ والمجتمع والقانون.