> "الأيام" غرفة الأخبار:

  • اتفاق عمّان يعيد ملف الأسرى للواجهة.. وغموض حول فرص إحياء المسار السياسي
اعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني عبد الكريم غانم أن اتفاق الجولة الحادية عشرة لتبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله يمثل “خطوة متقدمة على الصعيد الإنساني”، لكنه لا يعكس حتى الآن اختراقًا حقيقيًا في مسار الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية، مؤكدًا أن التقدم ما يزال محصورًا في الملفات الإنسانية بعيدًا عن القضايا العسكرية والسياسية الأكثر تعقيدًا.

وقال غانم في تصريحات نشرتها جريدة القدس العربي إن "تجزئة الأزمة اليمنية إلى ملفات منفصلة جعل أي اختراق سياسي أو عسكري شبه غائب، فيما يقتصر التقدم الحالي على الملفات الإنسانية، وفي مقدمتها ملف الأسرى”، مشيرًا إلى أن حالة الجمود التي سيطرت على الأزمة طوال الأعوام الماضية جعلت من تفاهمات مسقط ومفاوضات عمّان محاولة لتحريك المسار المتوقف، ولو جزئيًا.

وجاءت تصريحات غانم عقب توقيع اتفاق جديد في عمّان لتبادل أكثر من 1600 أسير ومحتجز بين طرفي الحرب، في أكبر صفقة تبادل منذ اندلاع النزاع اليمني، وبعد أكثر من تسعين يومًا من المفاوضات التي استضافتها العاصمة الأردنية ضمن الجولة الحادية عشرة للجنة الإشرافية الخاصة بملف الأسرى، المنبثقة عن اتفاق ستوكهولم.

ورغم الترحيب الواسع بالاتفاق، رأى غانم أن ما تحقق ما يزال أقل من التفاهمات التي خرجت بها الجولة العاشرة من المفاوضات، المعروفة باسم “مسقط 2”، والتي كانت قد توصلت إلى اتفاق مبدئي للإفراج عن نحو 2900 أسير ومحتجز.

وأوضح أن الاتفاق الجديد، الذي تحدثت الحكومة اليمنية عن شموله 1728 أسيرًا، فيما تحدث التحالف عن 1750، يُعد “أكبر صفقة تبادل منذ بدء الحرب”، مضيفًا أن أهميته لا تكمن فقط في عدد المشمولين، بل أيضًا في طبيعة الأسماء التي تضمنها، إذ شملت سياسيين وإعلاميين وناشطين ظلوا محتجزين لسنوات.

وأشار إلى أن الاتفاق تضمّن كذلك تشكيل لجان مشتركة لانتشال الرفات والكشف عن مصير المخفيين قسرًا، في إطار الآلية القائمة على مبدأ"الكل مقابل الكل"، وهي الآلية التي نص عليها اتفاق ستوكهولم عام 2018، لكنها تعثرت مرارًا بسبب الخلافات السياسية والعسكرية بين الأطراف.

وفيما يتعلق بالتفاوت في أرقام الأسرى المعلنة من مختلف الجهات، قال غانم إن “التضارب يظل واردًا بسبب اختلاف تعريف كل طرف للأسير أو المحتجز”، موضحًا أن الحكومة اليمنية تحتسب أسرى الحرب والمختطفين المدنيين والمخفيين قسرًا ضمن الكشوفات، بينما تستبعد جماعة الحوثي بعض المحتجزين باعتبارهم موقوفين في قضايا جنائية.

وأضاف أن الأمم المتحدة تعتمد فقط على الأسماء الموثقة والمتفق عليها رسميًا، الأمر الذي يجعل الرقم النهائي مرهونًا بمرحلة التنفيذ الميداني للاتفاق.

من جهته، كشف الناشط الإنساني المعني بملف الوساطة المحلية للسجناء والمفقودين عبد الواحد المصعبي تفاصيل البرنامج التنفيذي للصفقة، موضحًا أن عمليات التبادل ستبدأ في 11 يوليو المقبل بإشراف من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وستستمر على مدى ثلاثة أيام.

وقال المصعبي لـ"القدس العربي" إن اليوم الأول سيشهد رحلتين جويتين بين عدن وصنعاء، فيما ستتضمن المرحلة الثانية رحلات بين صنعاء والسعودية ومأرب، إضافة إلى رحلة أخرى لم يُكشف عن وجهتها بعد، بينما ستشمل المرحلة الثالثة رحلات تبادل بين صنعاء والساحل الغربي.

ووصف المصعبي الاتفاق بأنه"أكثر من مجرد عملية تبادل أسرى"، مؤكدًا أن الرحلات "تحمل معها سنوات من الانتظار ورسائل الشوق ودموع الأمهات والزوجات والأطفال الذين ظلوا لسنوات ينتظرون لحظة اللقاء".

وأضاف أن ملف الأسرى “سيظل أحد أكثر الملفات الإنسانية وجعًا وتعقيدًا”، لكنه اعتبر نجاح الصفقة دليلًا على أن “الحوار الإنساني ما يزال قادرًا على فتح أبواب الأمل رغم كل التعقيدات”.

وبحسب بيانات الحكومة اليمنية والتحالف العربي، فإن الصفقة تشمل الإفراج عن 27 أسيرًا تابعين للتحالف، بينهم سبعة سعوديين، مقابل إطلاق 245 محتجزًا من جماعة الحوثي، إضافة إلى عمليات تبادل واسعة في جبهات مأرب وتعز وعدن والساحل الغربي.

وتشمل الترتيبات، وفق البيانات الرسمية، الإفراج عن 363 أسيرًا للحكومة مقابل 450 للحوثيين في مأرب وتعز، و160 أسيرًا للحكومة مقابل 201 للحوثيين في عدن والمحافظات الجنوبية، إضافة إلى 95 للحكومة مقابل 186 من الجماعة في الساحل الغربي.

ويرى مراقبون أن الاتفاق يعكس استمرار سياسة"التجزئة" التي اعتمدتها الأمم المتحدة والوسطاء الإقليميون منذ سنوات للتعامل مع الأزمة اليمنية، بعد تعثر محاولات الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.

وفي هذا السياق، أوضح غانم أن “فكرة تقسيم الأزمة إلى ملفات منفصلة جاءت لتجاوز أسباب فشل الاتفاقات السابقة”، معتبرًا أن معالجة القضايا الإنسانية تدريجيًا باتت المدخل الوحيد المتاح لبناء الثقة بين الأطراف.

وأشار إلى أن هذه المقاربة ظهرت بوضوح منذ اتفاق ستوكهولم، الذي نص على الإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرًا وفق قاعدة “الكل مقابل الكل”، إلا أن تعثر التنفيذ دفع الوسطاء إلى القبول باتفاقات جزئية ومراحل متدرجة.

ولفت إلى أن ما جرى في عمّان لا يمكن فصله عن التحركات الإقليمية الأخيرة، خصوصًا الدور السعودي الذي وصفه بـ”المحوري” في دفع المفاوضات إلى الأمام.

وقال إن السعودية سبقت اجتماعات عمّان بجولة مشاورات غير مباشرة هدفت إلى تذليل العقبات الفنية والإجرائية، مضيفًا أن الرياض “لم تعد مجرد قائد للتحالف العربي، بل تحولت أيضًا إلى ضامن رئيسي لمسار التهدئة”.

وأكد غانم أن المفاوضات التي جرت تحت غطاء أممي وعُماني وأردني كانت في جوهرها “تفاهمات سعودية – حوثية مباشرة”، هدفها الحفاظ على التهدئة العسكرية وتهيئة المناخ لتحريك العملية السياسية.

وعن إمكانية أن يقود الاتفاق إلى إحياء خريطة الطريق الأممية المجمدة منذ عام 2022، قال غانم إن المناخ الإقليمي الحالي “أكثر ملاءمة للتهدئة”، خصوصًا مع استمرار التقارب بين الرياض وطهران، وتراجع التصعيد في البحر الأحمر.

وأضاف أن نجاح تنفيذ الاتفاق قد يفتح الباب أمام الانتقال إلى ملفات أخرى، مثل فتح الطرقات ودفع رواتب الموظفين ومعالجة القضايا الاقتصادية، وهي ملفات يعتبرها مراقبون اختبارًا حقيقيًا لأي تقدم سياسي مستقبلي.

ويُعد ملف الأسرى من أكثر ملفات الحرب اليمنية تعقيدًا، إذ لم تنجح الجولات الإحدى عشرة الماضية سوى في تنفيذ صفقتين رئيسيتين برعاية الأمم المتحدة؛ الأولى عام 2020 وشملت 1056 أسرى، والثانية عام 2023 وشملت 887 أسيرًا، فيما تبقى الصفقة الأخيرة مرهونة بمدى نجاح تنفيذها ميدانيًا خلال الأسابيع المقبلة.