> واشنطن «الأيام» العرب اللندنية:
تكشف الاستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية عن تحول واضح في أولويات واشنطن الأمنية، يقوم على نقل مركز الثقل من الشرق الأوسط والتنظيمات الجهادية التقليدية إلى عصابات الكارتل والجريمة المنظمة في نصف الكرة الغربي، إلى جانب التركيز على ما تصفه الإدارة بتهديدات "التطرف اليساري".
غير أن هذا التحول، الذي تصفه الإدارة بأنه "جذري"، يثير تساؤلات واسعة بشأن تجاهل تهديدات أخرى لا تزال حاضرة بقوة، وفي مقدمتها التهديدات القادمة من الشرق الأوسط، سواء المرتبطة بإيران ووكلائها أو بتنظيمات اليمين المتطرف داخل الولايات المتحدة نفسها.
فالوثيقة، التي صدرت في السادس من مايو، تختلف بوضوح عن استراتيجيات الإدارات السابقة، بما فيها استراتيجية ترامب خلال ولايته الأولى، حين كانت الجماعات الإسلامية المتطرفة تُصنف باعتبارها التهديد الإرهابي العابر للحدود الأول للولايات المتحدة.
وأما اليوم، فتضع الإدارة عصابات الكارتل العابرة للحدود في صدارة الأولويات، وتوسّع مفهوم مكافحة الإرهاب ليشمل شبكات المخدرات والجريمة المنظمة، في حين تُبرز الإرهاب اليساري كأحد أخطر التحديات الداخلية.
وفي المقابل، يبدو حضور إيران ووكلائها هامشياً مقارنة بحجم المواجهة الحالية في المنطقة. فالاستراتيجية تتناول الملف الإيراني أساساً من زاوية البرنامج النووي والصواريخ ودعم الجماعات الحليفة، لكنها لا تتوسع في الحديث عن الأنشطة الإرهابية الإيرانية المباشرة أو عن عمليات "قوة القدس" التابعة للحرس الثوري ووزارة الاستخبارات الإيرانية، رغم اتهامات أميركية سابقة لهما بالتخطيط لعمليات داخل الولايات المتحدة وخارجها، بما في ذلك محاولات استهداف الرئيس ترامب نفسه.
ويرى الباحث مايكل جيكوبسون في تقرير نشره معهد واشنطن أن هذا التناقض يزداد وضوحاً في ظل الحرب الدائرة مع إيران منذ أواخر فبراير، والتي جعلت الشرق الأوسط مجدداً في قلب الحسابات الأمنية الأميركية، بعدما كانت الإدارة تحاول الإيحاء بأن المنطقة لم تعد تشكل أولوية استراتيجية كما في العقود الماضية.
وتلمّح الوثيقة إلى أن تزايد إنتاج النفط الأميركي يقلل أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لاستقرار الولايات المتحدة، في وقت تفرض فيه الحرب مع إيران نفسها على الأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً مع التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
كما أن الاستراتيجية تقلل من حجم التهديدات القائمة في العراق وسوريا، إذ تكتفي بالإشارة إلى انتقال "بقايا" تنظيم داعش إلى أفريقيا وآسيا الوسطى، من دون التطرق بعمق إلى المخاطر المستمرة في الساحتين العراقية والسورية، رغم استمرار وجود آلاف المقاتلين وعائلاتهم داخل مخيمات الاحتجاز ومراكز الاعتقال، وما يرافق ذلك من مخاطر إعادة تشكل التنظيم.
وفي غزة أيضاً، يكاد الغياب يكون كاملاً، باستثناء إشارات عابرة في مقدمة الوثيقة، ما يعكس محاولة لتجنب أي توصيف قد يتعارض مع رواية الإدارة بأنها نجحت في فرض الاستقرار الإقليمي. لكن هذا التجاهل لا يغيّر من واقع أن التوترات في القطاع لا تزال مرتبطة بشكل مباشر بحسابات الأمن الإقليمي ومخاطر التطرف.
وفي الداخل الأميركي، يثير تركيز الاستراتيجية على "الإرهاب اليساري" انتقادات إضافية، بسبب تجاهلها شبه الكامل لتهديدات اليمين المتطرف، رغم تقارير أمنية أميركية متعددة تؤكد تصاعد أنشطة الجماعات النازية الجديدة وأنصار التفوق الأبيض.
كما أن تقارير وزارة الخارجية الأميركية نفسها بشأن الإرهاب لعام 2024 أشارت إلى تزايد مخططات العنف المرتبطة باليمين المتطرف، في وقت توثق فيه منظمات أميركية متخصصة ارتفاع عدد الهجمات ذات الخلفيات اليمينية مقارنة بالهجمات المنسوبة لتيارات يسارية.
تتراجع في الاستراتيجية الحالية أهمية برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل وإعادة الاندماج، رغم أنها كانت جزءاً أساسياً من المقاربات الأميركية السابقة، خصوصاً في التعامل مع مقاتلي داعش وعائلاتهم.
ويبدو أن هذا التحول في تعريف التهديدات يتقاطع مع التوجهات السياسية العامة للإدارة، التي تسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي وفق أولويات داخلية وحدودية، أكثر من ارتباطه بالانتشار الخارجي التقليدي للولايات المتحدة.
ومن هنا يأتي التركيز على عصابات الكارتل والهجرة والجريمة المنظمة باعتبارها امتداداً لملف الأمن الداخلي الأمريكي.
لكن التحول لا يقتصر على الأولويات، بل يمتد أيضاً إلى الأدوات المستخدمة. فالاستراتيجية الجديدة تكاد تخلو من الحديث عن الدبلوماسية الدولية وبناء التحالفات، وهما عنصران كانا يشكلان ركيزة أساسية في المقاربة الأميركية لمكافحة الإرهاب منذ هجمات 11 سبتمبر.
فالولايات المتحدة كانت خلال العقدين الماضيين تقود تحالفات دولية واسعة ضد تنظيمات مثل داعش، وتقود جهوداً أممية مرتبطة بمكافحة تمويل الإرهاب والمقاتلين الأجانب، كما لعبت دوراً رئيسياً في دفع دول عديدة إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله كمنظمات إرهابية.
وأما في الوثيقة الحالية، فتقتصر الإشارة إلى الدبلوماسية على ما يسمى “الدبلوماسية الرئاسية” التي يستخدمها ترامب للإفراج عن رهائن أميركيين.
كذلك، يتراجع الحديث عن برامج بناء القدرات الأمنية لدى الحلفاء، رغم أن هذه البرامج شكلت لعقود جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية في مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وبدلاً من ذلك، تركز الإدارة على مفهوم “تقاسم الأعباء”، مطالبة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين والأفارقة بتحمل مسؤوليات أكبر في مواجهة الإرهاب، في وقت تخفض فيه واشنطن مخصصات المساعدات الخارجية المرتبطة بمكافحة الإرهاب.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في مشروع ميزانية وزارة الخارجية للسنة المالية 2027، التي تضمنت خفضاً ملحوظاً في تمويل برامج مكافحة الإرهاب مقارنة بطلبات إدارة الرئيس جو بايدن السابقة، ما يعكس توجهاً نحو تقليص الانخراط الأمريكي المباشر في هذا المجال.
كما تتراجع في الاستراتيجية الحالية أهمية برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل وإعادة الاندماج، رغم أنها كانت جزءاً أساسياً من المقاربات الأميركية السابقة، خصوصاً في التعامل مع مقاتلي داعش وعائلاتهم.
ويأتي ذلك في وقت فككت فيه الإدارة عدداً من المنصات والمؤسسات المرتبطة بمواجهة الدعاية المتطرفة والحملات الإعلامية المضادة.
وفي المحصلة، تعكس الاستراتيجية الجديدة لإدارة ترامب تحولاً عميقاً في فلسفة مكافحة الإرهاب الأميركية، يقوم على إعادة ترتيب الأولويات الجغرافية والسياسية والأمنية، مع ميل واضح نحو تقليص الاعتماد على الدبلوماسية والتحالفات الدولية، والتركيز بدلاً من ذلك على الردع المباشر والأمن الحدودي وتقاسم الأعباء.
غير أن هذا التحول يطرح تساؤلات كبيرة حول قدرة واشنطن على التعامل مع تهديدات الشرق الأوسط المتغيرة، خاصة في ظل الحرب مع إيران، واستمرار نشاط الجماعات الجهادية، وتصاعد تهديدات اليمين المتطرف داخلياً.
كما يثير مخاوف من أن يؤدي تقليص أدوات الدبلوماسية وبناء القدرات إلى إضعاف النفوذ الأميركي في ملفات مكافحة الإرهاب، في وقت تبدو فيه المنطقة مقبلة على مزيد من الاضطرابات الأمنية والسياسية.



















