> سامح فايز*
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي يربط التجارة العالمية بين الشرق والغرب، بل تحوّل خلال العقد الأخير إلى واحد من أكثر المساحات حساسية في معادلة الأمن الإقليمي العربي. فالمياه التي كانت تُقرأ سابقًا بوصفها شريانًا اقتصاديًا لقناة السويس وحركة النفط العالمية، أصبحت اليوم ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، والحروب غير التقليدية، والتنافس بين الدول والفاعلين العابرين للحدود. ولهذا لا يمكن فهم التحركات المصرية والإماراتية المتزايدة في هذه المنطقة باعتبارها مجرد إجراءات لحماية الملاحة، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تعريف أوسع لمفهوم الأمن القومي بعد 2011.
تُدرك القاهرة أنّ البحر الأحمر لم يعد ملفًا بحريًا منفصلًا عن الداخل المصري، لأنّ أيّ اضطراب واسع فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار السياسي. فوفق بيانات هيئة قناة السويس، يمر عبر القناة ما بين 10 و12 % من التجارة العالمية، إضافة إلى نسب مهمة من تجارة الطاقة والنفط والغاز. وهذا يعني أنّ أيّ تهديد لحركة الملاحة في باب المندب أو جنوب البحر الأحمر لا يضرب فقط حركة التجارة الدولية، بل يمس أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي للدولة المصرية. ولهذا تنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي، لا مجرد ملف تضامن إقليمي أو اهتمام دبلوماسي تقليدي.
تُغيّر التحولات التي شهدتها المنطقة بعد 2011 طبيعة هذا الإدراك بصورة حاسمة. فمع انهيار الدولة المركزية في اليمن، وصعود الحوثيين كفاعل مسلح يمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، لم يعد التهديد مرتبطًا بجيوش تقليدية أو صراعات حدودية واضحة، بل بكيانات قادرة على تهديد الملاحة الدولية وحركة التجارة من خارج نموذج الدولة التقليدي. وهنا دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة: لم يعد فقط طريقًا لعبور السفن، بل أصبح ساحة اختبار للحروب الشبكية التي تستخدم فيها الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة والإعلام والضغط الاقتصادي في وقت واحد.
تقرأ القاهرة هذه التحولات من زاوية أوسع تتجاوز البحر الأحمر نفسه. فالدولة المصرية باتت ترى أنّ التهديدات الحديثة لا تتحرك عبر الحدود فقط، بل عبر الشبكات والممرات والمجالات الاقتصادية الحيوية. ولهذا أصبح تأمين البحر الأحمر جزءًا من العقيدة الأمنية الجديدة التي تشكلت بعد 2013، وهي عقيدة تقوم على فكرة أنّ حماية المجال الحيوي المصري تبدأ أحيانًا من خارج الحدود المباشرة. ومن هنا يمكن فهم التصاعد المستمر في الاهتمام المصري بالتعاون البحري، والتدريبات العسكرية المشتركة، وتطوير القدرات المرتبطة بالأمن البحري والجوي في المنطقة.
يُفسِّر هذا التحول لماذا أصبح البحر الأحمر واحدًا من أكثر المساحات ازدحامًا بالقواعد العسكرية والتحالفات البحرية خلال السنوات الأخيرة. فالدول الكبرى والإقليمية لم تعد تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها مجرد ممر مائي، بل باعتبارها عقدة استراتيجية تتحكم في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا تصاعد الحضور العسكري الدولي في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما تحولت موانئ ومضائق المنطقة إلى نقاط تنافس مفتوح بين قوى تسعى إلى تثبيت نفوذها أو حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
لكنّ المفارقة الأهم أنّ التهديدات التي تواجه البحر الأحمر لم تعد تقليدية بالمعنى العسكري المعروف. فالهجمات التي تنطلق من جماعات مسلحة أو شبكات مرتبطة بفاعلين إقليميين لا تحتاج إلى احتلال موانئ أو السيطرة على أراضٍ واسعة حتى تُحدث تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا. يكفي أحيانًا تهديد الملاحة أو استهداف سفينة أو رفع كلفة التأمين البحري حتى تدخل الأسواق العالمية في حالة ارتباك. وهنا تحديدًا يظهر كيف تغيّرت طبيعة الصراع في المنطقة: من حروب السيطرة المباشرة إلى حروب إنهاك الاقتصاد وتعطيل الممرات الحيوية وإدارة الضغط النفسي والإعلامي.
تقرأ مصر هذه التطورات باعتبارها جزءًا من تحولات أوسع في طبيعة الأمن القومي نفسه. فالدولة التي تعتمد على قناة السويس كمصدر استراتيجي للعملة الأجنبية لا تستطيع التعامل مع اضطرابات البحر الأحمر باعتبارها أزمة بعيدة أو ملفًا خارجيًا منفصلًا. ولهذا جاء التوسع المصري في تطوير الأسطول البحري والقواعد العسكرية المطلة على البحر الأحمر ضمن تصور يعتبر أنّ حماية الممرات البحرية باتت جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد والدولة معًا. كما يفسر ذلك الاهتمام المصري المتزايد بتكثيف التدريبات البحرية المشتركة وبناء شراكات أمنية مرتبطة بالملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وتتقاطع الإمارات مع هذا التصور من زاوية مشابهة. فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية على التجارة العالمية والخدمات اللوجستية والموانئ تدرك أنّ أيّ اضطراب ممتد في البحر الأحمر أو باب المندب لن يكون أزمة أمنية فقط، بل سيكون تهديدًا مباشرًا لشبكات التجارة والطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد الخليجي. ولهذا لم يكن الحضور الإماراتي في ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد محاولة لتوسيع النفوذ، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية خطوط الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
ويكشف هذا التقاطع في الرؤية لماذا بدا التنسيق المصري الإماراتي في هذه المنطقة متصاعدًا خلال السنوات الأخيرة. فالقاهرة وأبو ظبي لا تنظران إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ملف عسكري، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمنع تحوّل الممرات البحرية إلى مساحات مفتوحة للميليشيات والتنظيمات العابرة للحدود. ومن هنا يرتبط أمن البحر الأحمر، في نظر الدولتين، بحماية الدولة الوطنية نفسها ومنع انتقال الفوضى إلى قلب الممرات الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإقليمي والدولي.
لكن ما تكشفه تجربة البحر الأحمر يتجاوز الملف الأمني نفسه. فالمنطقة تبدو اليوم نموذجًا مكثفًا لتحولات الشرق الأوسط بعد 2011: تراجع الحدود التقليدية بين الأمن والاقتصاد، وصعود الحروب غير التقليدية، وتوسع دور الفاعلين غير الدولتيين، وتحول الممرات التجارية إلى ساحات صراع سياسي وعسكري. ولهذا لم يعد السؤال الأساسي: كيف تحمي الدول حدودها؟ بل: كيف تحمي شبكاتها الاقتصادية وممراتها الاستراتيجية واستقرارها الداخلي في عصر أصبحت فيه التهديدات أكثر سيولة وتعقيدًا؟
وربما لهذا السبب تحديدًا تنظر القاهرة وأبو ظبي إلى البحر الأحمر باعتباره أكثر من مجرد مساحة جغرافية. إنّه اختبار فعلي لشكل الشرق الأوسط الجديد: هل تبقى الممرات الحيوية خاضعة لمنطق الدولة والاستقرار، أم تتحول إلى ساحات مفتوحة للحروب الشبكية والفاعلين العابرين للحدود؟ وفي قلب هذا السؤال تتشكل العقيدة الأمنية الجديدة للدول العربية التي أدركت أنّ حماية الاستقرار لم تعد تبدأ من الحدود فقط، بل من حماية المجال الإقليمي كله من الانهيار والفوضى الممتدة.
* صحفي مصري -"حفريات"
تُدرك القاهرة أنّ البحر الأحمر لم يعد ملفًا بحريًا منفصلًا عن الداخل المصري، لأنّ أيّ اضطراب واسع فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار السياسي. فوفق بيانات هيئة قناة السويس، يمر عبر القناة ما بين 10 و12 % من التجارة العالمية، إضافة إلى نسب مهمة من تجارة الطاقة والنفط والغاز. وهذا يعني أنّ أيّ تهديد لحركة الملاحة في باب المندب أو جنوب البحر الأحمر لا يضرب فقط حركة التجارة الدولية، بل يمس أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي للدولة المصرية. ولهذا تنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي، لا مجرد ملف تضامن إقليمي أو اهتمام دبلوماسي تقليدي.
تُغيّر التحولات التي شهدتها المنطقة بعد 2011 طبيعة هذا الإدراك بصورة حاسمة. فمع انهيار الدولة المركزية في اليمن، وصعود الحوثيين كفاعل مسلح يمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، لم يعد التهديد مرتبطًا بجيوش تقليدية أو صراعات حدودية واضحة، بل بكيانات قادرة على تهديد الملاحة الدولية وحركة التجارة من خارج نموذج الدولة التقليدي. وهنا دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة: لم يعد فقط طريقًا لعبور السفن، بل أصبح ساحة اختبار للحروب الشبكية التي تستخدم فيها الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة والإعلام والضغط الاقتصادي في وقت واحد.
- باب المندب والتهديدات العابرة للحدود
تقرأ القاهرة هذه التحولات من زاوية أوسع تتجاوز البحر الأحمر نفسه. فالدولة المصرية باتت ترى أنّ التهديدات الحديثة لا تتحرك عبر الحدود فقط، بل عبر الشبكات والممرات والمجالات الاقتصادية الحيوية. ولهذا أصبح تأمين البحر الأحمر جزءًا من العقيدة الأمنية الجديدة التي تشكلت بعد 2013، وهي عقيدة تقوم على فكرة أنّ حماية المجال الحيوي المصري تبدأ أحيانًا من خارج الحدود المباشرة. ومن هنا يمكن فهم التصاعد المستمر في الاهتمام المصري بالتعاون البحري، والتدريبات العسكرية المشتركة، وتطوير القدرات المرتبطة بالأمن البحري والجوي في المنطقة.
- التنسيق المصري الإماراتي
يُفسِّر هذا التحول لماذا أصبح البحر الأحمر واحدًا من أكثر المساحات ازدحامًا بالقواعد العسكرية والتحالفات البحرية خلال السنوات الأخيرة. فالدول الكبرى والإقليمية لم تعد تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها مجرد ممر مائي، بل باعتبارها عقدة استراتيجية تتحكم في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا تصاعد الحضور العسكري الدولي في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما تحولت موانئ ومضائق المنطقة إلى نقاط تنافس مفتوح بين قوى تسعى إلى تثبيت نفوذها أو حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
لكنّ المفارقة الأهم أنّ التهديدات التي تواجه البحر الأحمر لم تعد تقليدية بالمعنى العسكري المعروف. فالهجمات التي تنطلق من جماعات مسلحة أو شبكات مرتبطة بفاعلين إقليميين لا تحتاج إلى احتلال موانئ أو السيطرة على أراضٍ واسعة حتى تُحدث تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا. يكفي أحيانًا تهديد الملاحة أو استهداف سفينة أو رفع كلفة التأمين البحري حتى تدخل الأسواق العالمية في حالة ارتباك. وهنا تحديدًا يظهر كيف تغيّرت طبيعة الصراع في المنطقة: من حروب السيطرة المباشرة إلى حروب إنهاك الاقتصاد وتعطيل الممرات الحيوية وإدارة الضغط النفسي والإعلامي.
تقرأ مصر هذه التطورات باعتبارها جزءًا من تحولات أوسع في طبيعة الأمن القومي نفسه. فالدولة التي تعتمد على قناة السويس كمصدر استراتيجي للعملة الأجنبية لا تستطيع التعامل مع اضطرابات البحر الأحمر باعتبارها أزمة بعيدة أو ملفًا خارجيًا منفصلًا. ولهذا جاء التوسع المصري في تطوير الأسطول البحري والقواعد العسكرية المطلة على البحر الأحمر ضمن تصور يعتبر أنّ حماية الممرات البحرية باتت جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد والدولة معًا. كما يفسر ذلك الاهتمام المصري المتزايد بتكثيف التدريبات البحرية المشتركة وبناء شراكات أمنية مرتبطة بالملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وتتقاطع الإمارات مع هذا التصور من زاوية مشابهة. فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية على التجارة العالمية والخدمات اللوجستية والموانئ تدرك أنّ أيّ اضطراب ممتد في البحر الأحمر أو باب المندب لن يكون أزمة أمنية فقط، بل سيكون تهديدًا مباشرًا لشبكات التجارة والطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد الخليجي. ولهذا لم يكن الحضور الإماراتي في ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد محاولة لتوسيع النفوذ، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية خطوط الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
ويكشف هذا التقاطع في الرؤية لماذا بدا التنسيق المصري الإماراتي في هذه المنطقة متصاعدًا خلال السنوات الأخيرة. فالقاهرة وأبو ظبي لا تنظران إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ملف عسكري، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمنع تحوّل الممرات البحرية إلى مساحات مفتوحة للميليشيات والتنظيمات العابرة للحدود. ومن هنا يرتبط أمن البحر الأحمر، في نظر الدولتين، بحماية الدولة الوطنية نفسها ومنع انتقال الفوضى إلى قلب الممرات الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإقليمي والدولي.
- الحوثيون وإيران وإعادة تشكيل الأمن البحري في المنطقة
لكن ما تكشفه تجربة البحر الأحمر يتجاوز الملف الأمني نفسه. فالمنطقة تبدو اليوم نموذجًا مكثفًا لتحولات الشرق الأوسط بعد 2011: تراجع الحدود التقليدية بين الأمن والاقتصاد، وصعود الحروب غير التقليدية، وتوسع دور الفاعلين غير الدولتيين، وتحول الممرات التجارية إلى ساحات صراع سياسي وعسكري. ولهذا لم يعد السؤال الأساسي: كيف تحمي الدول حدودها؟ بل: كيف تحمي شبكاتها الاقتصادية وممراتها الاستراتيجية واستقرارها الداخلي في عصر أصبحت فيه التهديدات أكثر سيولة وتعقيدًا؟
وربما لهذا السبب تحديدًا تنظر القاهرة وأبو ظبي إلى البحر الأحمر باعتباره أكثر من مجرد مساحة جغرافية. إنّه اختبار فعلي لشكل الشرق الأوسط الجديد: هل تبقى الممرات الحيوية خاضعة لمنطق الدولة والاستقرار، أم تتحول إلى ساحات مفتوحة للحروب الشبكية والفاعلين العابرين للحدود؟ وفي قلب هذا السؤال تتشكل العقيدة الأمنية الجديدة للدول العربية التي أدركت أنّ حماية الاستقرار لم تعد تبدأ من الحدود فقط، بل من حماية المجال الإقليمي كله من الانهيار والفوضى الممتدة.
* صحفي مصري -"حفريات"



















