> «الأيام» إرم نيوز:

تتجه الولايات المتحدة وإيران إلى الإعلان رسميًّا، بحلول مساء اليوم الأحد، عن اتفاق مبدئي يضع حدًّا لأسابيع من التوترات التي سبقتها مواجهات عسكرية، في اختراق دبلوماسي مفاجئ جرى التوافق على مسودته النهائية من قبل كبار المفاوضين في البلدين.

وكشفت مصادر غربية لـ"إرم نيوز" عن التفاصيل المتوفرة حول الاتفاق والذي يتضمن إقرار هدنة موسعة تمتد لـ60 يوماً كمرحلة أولى، تلتزم بموجبها طهران بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية ووقف كافة الأعمال العدائية، مقابل التزام واشنطن برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.

كما يشمل الاتفاق تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، مع السماح بالتصدير التدريجي للنفط وفك التجميد عن جزء من الأصول المالية الإيرانية في الخارج، على أن يتبع ذلك إطار تفاوضي مكثف يستمر لشهرين لحسم ملف اليورانيوم المخصب.

وأكدت المصادر الغربية أن ملامح الاتفاق بدأت بالتسرب مع صباح يوم أمس السبت؛ إذ ظهرت إشارات قوية تدل على أن الطرفين الأمريكي والإيراني صاغا تفاصيل الاتفاق النهائي بالكامل، رغم اللغة الضبابية والتصريحات الحذرة التي صدرت عن البيت الأبيض والتي وصفت فرص النجاح والعودة إلى الحرب بأنها متساوية تماماً.

وترى المصادر الغربية، أن هذه الصيغة التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحاته حول تساوي فرص نجاح الاتفاق والحرب، كانت مناورة سياسية تهدف إلى امتصاص أي ردود فعل داخلية غاضبة أو ضغوط من الحلفاء الإقليميين وفي مقدمتهم إسرائيل.

وأشارت إلى أن الصدمة التي تسبب فيها إغلاق مضيق هرمز، وما تلاه من قفزات جنونية في أسعار الطاقة وارتفاع التضخم داخل السوق الأمريكية، مثّلت الرافعة الأساسية والدافع الأكبر لإدارة ترامب للبحث عن مخرج سياسي سريع يحمي الاقتصاد الأمريكي من ركود حاد ويهدئ من روع الناخبين قبل الاستحقاقات السياسية القادمة.

وعلى صعيد كواليس وخفايا الأيام التي سبقت هذا الإعلان، أظهرت المؤشرات التي روتها المصادر الغربية أن معركة دبلوماسية دارت بعيداً عن أعين الإعلام، قادتها أطراف إقليمية متعددة لتجنيب المنطقة حرب استنزاف شاملة ومدمرة.

وتكشف المصادر عن الدور المحوري والوساطة المكثفة التي قام بها رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، الذي أدار رحلات مكوكية سرية بين واشنطن وطهران، ونجح في صياغة مسودة الاتفاق المكونة من 14 بنداً والتي جسّرت الهوة العميقة بين المطالب الأمريكية والشروط الإيرانية.

وتزامن هذا التحرك مع ضغط جماعي مارسه قادة الدول الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط، وذلك خلال اتصال جماعي موسع أجراه الرئيس الأمريكي مع هؤلاء القادة الذين عبّروا بوضوح عن رفضهم التام لاستمرار الحرب وتوسعها.

وفي مقابل هذا الزخم الدبلوماسي العربي والباكستاني، شهدت الكواليس معارضة حادة وخفية من جانب تل أبيب؛ إذ أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصالًا هاتفيًّا عاصفًا ومطولًا مع الرئيس ترامب، حاول من خلاله حث الإدارة الأمريكية على عدم التوقيع على أي تسوية مع طهران، والعودة بدلاً من ذلك إلى خيار استئناف الضربات العسكرية المركزة لتدمير البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية.

إلا أن القراءة الأمريكية للوضع الميداني كانت مختلفة تماماً؛ إذ أكد مستشارون في البنتاغون أن فترة الهدنة المؤقتة التي بدأت في الـ8 من إبريل الماضي سمحت لإيران باستعادة قدراتها الدفاعية؛ ما جعل خيار الحسم العسكري مكلفاً للغاية، بل وقد يؤدي إلى إغلاق دائم وطويل الأمد للممرات المائية الحيوية، وهو ما دفع واشنطن في النهاية إلى تجاوز التحفظات الإسرائيلية والمضي قدماً في مسار التهدئة.

وبالعودة إلى التفاصيل الدقيقة لبنود الاتفاق التي تسربت عبر الدوائر الدبلوماسية الغربية، فإن النص السردي للمسودة يضع خارطة طريق متكاملة تبدأ بتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى حالة من الاستقرار الأمني الشامل عبر الجبهات كافة، وتثبيت الهدنة لمدة 60 يومًا قابلة للتجديد بناءً على التزام الطرفين.

وتتعهد إيران بموجب هذه التفاهمات بإزالة جميع العوائق العسكرية والألغام البحرية من مضيق هرمز وضمان العبور الآمن والمستقر لجميع ناقلات النفط والتجارة العالمية.

وفي المقابل, تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء الحصار البحري الذي فرضته على الموانئ الإيرانية والسماح لطهران بالعودة التدريجية إلى أسواق النفط العالمية، بالإضافة إلى وضع آلية مصرفية دولية بإشراف وسيط؛ لفك تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المحتجزة في الخارج لتمكين الدولة من تلبية الاحتياجات الاقتصادية الملحّة لشعبها.

وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، الذي يمثل دائماً بؤرة الخلاف الأساسية، يحدد الاتفاق مهلة شهرين تبدأ فور الإعلان الرسمي، للدخول في مفاوضات تقنية مكثفة لمعالجة الهواجس الأمريكية والغربية؛ إذ تصرُّ واشنطن على ضرورة قيام طهران بشحن مخزونها بالكامل من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 % إلى دولة ثالثة لضمان عدم وصولها إلى العتبة النووية العسكرية.

فيما يصرُّ الجانب الإيراني على تضمين الاتفاق بنداً صريحاً يعترف بحقه الكامل والمشروع في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية والطبية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

من جانبه قال الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء المتقاعد هشام أحمد إن "الاتفاق الأمريكي-الإيراني يعكس، إذا ما استقرت تفاهماته ومعالمه، تحولًا واضحًا في طريقة إدارة الولايات المتحدة للصراع في المنطقة، من الاعتماد على الردع المباشر والتصعيد العسكري إلى سياسة تقوم على الاحتواء وإدارة التوتر بأدوات سياسية وأمنية واقتصادية، بالاستناد إلى الشراكات الإقليمية.

وأشار الخبير الاستراتيجي والعسكري في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن الاتفاق يأتي في ظل تركيز واشنطن المتزايد على المنافسة مع الصين ومتابعة تداعيات المواجهة مع روسيا، بما يجعل الانخراط في صراع واسع بالشرق الأوسط، خيارًا عالي الكلفة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

وأوضح أن الحسابات الداخلية الأمريكية، خصوصًا المرتبطة بالانتخابات وتداعيات أي ارتفاع في أسعار الطاقة، تدفع نحو تجنب التصعيد المفتوح.

وفي المقابل، تسعى إيران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والحفاظ على نفوذها الإقليمي ومعادلة الردع دون الذهاب إلى مواجهة شاملة مكلفه سياسيا وعسكريا. كذلك برز دور دول الإقليم في دعم التهدئة وحماية أمنها وضمان حرية الحركة في الممرات الحيوية، بما يحقق قدرًا من الاستقرار ويحفظ المصالح الأمنية والاقتصادية للجميع.

لذلك يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره إطارًا لإدارة الصراع وتأجيل الانفجار الكبير أو ما يسمى "الهروب إلى الأمام"، أكثر من كونه تسوية نهائية للخلافات القائمة المؤجلة.

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الاتفاق في حال كُتب له النجاح وأُعلن عنه رسمياً بحلول مساء اليوم الأحد، سيمثل نقطة تحول تعيد صياغة التوازنات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، منتقلة بالمنطقة من حافة هاوية حرب إقليمية شاملة إلى مرحلة جديدة من الواقعية السياسية القائمة على المصالح المتبادلة.