> «الأيام» العرب:

أعاد الحوثيون التلويح مجددًا بورقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، في خطوة تعكس حرص الجماعة اليمنية على تأكيد حضورها داخل معادلات الصراع الإقليمي، وإبقاء احتمال توسع الحرب إلى جبهات أخرى قائما إذا واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية أو اتجهت نحو تصعيد أكبر في الساحة اللبنانية.

وجاءت التصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادات حوثية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة الحالية من نطاقها اللبناني إلى صراع متعدد الجبهات يشمل أطرافًا أخرى من القوى المتحالفة مع إيران. وفي هذا السياق أكد عضو المكتب السياسي للجماعة محمد الفرح أن أي تصعيد إسرائيلي جديد لن يمر من دون رد، مشيرًا إلى أن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة وأن القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان قد تتحول إلى أهداف محتملة إذا تطورت المواجهة.

ورغم أن هذه التصريحات لم تتضمن إعلانًا مباشرًا عن عمليات وشيكة أو خطوات ميدانية محددة، فإنها حملت رسائل سياسية واضحة تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. فالحوثيون يسعون إلى تأكيد أنهم ما زالوا جزءًا فاعلًا من شبكة الضغوط الإقليمية التي يمكن تفعيلها عند الحاجة، وأن أي حرب واسعة ضد حزب الله لن تبقى بالضرورة محصورة داخل الحدود اللبنانية.

وتستمد هذه الرسائل أهميتها من الموقع الجيوسياسي الذي يسيطر عليه الحوثيون على الضفة الجنوبية للبحر الأحمر. فمضيق باب المندب يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة المتجهة بين آسيا وأوروبا. ولهذا فإن أي تهديد للملاحة في هذه المنطقة لا ينعكس فقط على إسرائيل أو على أطراف الصراع المباشرين، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن الحوثيين قادرون على استثمار هذه الورقة بفاعلية. فمنذ اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023، نفذت الجماعة سلسلة من الهجمات ضد سفن تجارية وعسكرية، معلنة أنها تستهدف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الداعمة لها. وأدى ذلك إلى اضطراب حركة الملاحة الدولية، وإلى دفع عدد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها البحرية نحو رأس الرجاء الصالح.

واليوم تبدو الجماعة كأنها تلوّح بإمكانية إعادة تفعيل هذه الورقة إذا اتسعت رقعة الحرب في لبنان. فالرسالة الموجهة إلى إسرائيل تتمثل في أن أي محاولة لتوسيع المواجهة ضد حزب الله قد تفتح ساحات ضغط إضافية خارج لبنان، بينما تستهدف الرسالة الثانية حلفاء الحوثيين أنفسهم، وخاصة إيران وحزب الله، عبر التأكيد على أن الجماعة لا تزال تحتفظ بقدرتها على الإسهام في معادلة الردع الإقليمية.

ومنذ بداية المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، تبنى الحوثيون خطابًا داعمًا للحزب، واعتبروا أن ما يجري في لبنان جزء من مواجهة أوسع تشمل مختلف أطراف ما يعرف بمحور المقاومة. كما حرصت الجماعة على إظهار نفسها كطرف منخرط سياسيًا وإعلاميًا في هذه المواجهة، حتى وإن بقي حضورها العسكري المباشر محدودا نسبيا مقارنة بحجم التصريحات الصادرة عنها.

فباستثناء بعض الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقت باتجاه إسرائيل خلال فترات متفرقة، لم تنجح الجماعة حتى الآن في إحداث تحول إستراتيجي ملموس في مسار الصراع. كما أن وتيرة تلك العمليات تراجعت خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن قرارات التصعيد تخضع لحسابات معقدة تتجاوز الاعتبارات الدعائية أو السياسية المباشرة.

ويعتقد مراقبون أن الحوثيين يدركون جيدا المخاطر المترتبة على أي تصعيد واسع في البحر الأحمر. فاستهداف الملاحة الدولية بصورة كبيرة قد يستجلب ردًا عسكريًا قويًا من الولايات المتحدة وشركائها الغربيين، الذين يعتبرون أمن هذا الممر البحري الحيوي جزءا من مصالحهم الإستراتيجية المباشرة. وقد أظهرت التجارب السابقة استعداد القوى الدولية لحشد قدرات بحرية وعسكرية كبيرة عندما تتعرض حرية الملاحة في المنطقة للخطر.

كما أن الجماعة تواجه اعتبارات داخلية لا تقل أهمية. فهي تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها السياسية والعسكرية داخل اليمن، وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تستنزف مواردها وقدراتها في وقت لا تزال فيه الساحة اليمنية تعيش حالة من الهشاشة وعدم الاستقرار.

إلى جانب ذلك، تلعب التفاهمات الإقليمية دورا مهما في رسم حدود الحركة الحوثية. فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة مسارا من التهدئة بين عدد من القوى الإقليمية، خصوصا بعد التقارب السعودي – الإيراني، وهو ما انعكس بصورة إيجابية على الملف اليمني وساهم في تخفيف حدة المواجهات المباشرة. ومن ثم فإن أي تصعيد واسع قد يهدد هذه التوازنات ويعيد المنطقة إلى مستويات توتّر أعلى.

ومع ذلك، فإن استمرار الحوثيين في التذكير بورقة البحر الأحمر يكشف أنهم لا يرغبون في التخلي عن أحد أهم مصادر نفوذهم الإستراتيجي. فهذه الورقة تمنحهم قدرة على التأثير في حسابات خصومهم الإقليميين والدوليين، كما تعزز مكانتهم داخل المحور الذي تقوده إيران في وقت يواجه فيه ضغوطا متزايدة على أكثر من جبهة، من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن.

وفي المحصلة، لا تعني التهديدات الحوثية بالضرورة أن الجماعة تتجه نحو تصعيد عسكري واسع وفوري، وإنما تعكس بوضوح رغبتها في إبقاء خيار البحر الأحمر وباب المندب ضمن معادلة الردع الإقليمية. وبين الحسابات العسكرية الدقيقة والرسائل السياسية المتبادلة، يبقى هذا الممر البحري الحيوي أحد أكثر الملفات حساسية في أي سيناريو محتمل لتوسع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، أو لتحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود لبنان إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط.