كان بالإمكان ألا تصل الأمور في اليمن إلى ما وصلت إليه، وألا تستمر أزمة جماعة الحوثي داخل اليمن، وتسببها في معاناة غير مسبوقة في تاريخ الشعب اليمني، وتهورها بتهديد أمن المملكة بصواريخها ومسيّراتها، التي كان آخرها مساء (الإثنين)، حين استهدفت المنطقة الجنوبية، وكذلك تهديدها المستمر للممرات المائية الحيوية التي يعبر منها أكثر من 15 % من الحركة التجارية العالمية. كل ذلك كان بالإمكان أن ينتهي مبكرًا ويعود اليمن إلى حكومته الشرعية ويبدأ مشروع السلام الداخلي وترميم الخراب الذي حدث، لكن للأسف الشديد كان التعامل الأممي مع القضية اليمنية أحد أهم الأسباب التي جعلتها تستمر وتزداد تأزيمًا وخطرًا، وعندما نتحدث عن الأمم المتحدة فبطبيعة الحال نتحدث ضمنًا عن القوى الكبرى التي تتحكم في قرارات مجلس أمنها.

منذ أيام المبعوث الأممي جمال بن عمر والصورة واضحة لتكريس شرعنة الوجود الحوثي كسلطة أمر واقع، بدعم إيراني مباشر وعلني رغم العقوبات المفروضة على إيران. وفي أحسن الأحوال كان الفصيل الحوثي يُعتبر طرفًا ثانيًا طبيعيًا في الحالة السياسية اليمنية وليس مليشيا مارقة اختطفت الحكم بسبب ظروف وعوامل داخلية مدعومة خارجيًا.

ودعونا نتحدث بوضوح أكثر، ونتذكر عندما كان تحرير مدينة الحديدة وشيكًا جدًا كفاتحة لتحرير بقية المناطق التي سيطر عليها الحوثيون. وقبلها كانت الشرعية والتحالف قادرين على تجاوز تخوم صنعاء والوصول إليها، ولكن من هم الذين تدخلوا وأجهضوا تلك الخطوات الحاسمة؟ القصة معروفة، رغم وجود قرارات صادرة من مجلس الأمن تحت البند السابع، ورغم وجود مبعوث للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن ما زال مستمرًا في مهمته المكلف بها إلى الآن، والتي انقلبت وبالًا على اليمن.

لا ندري من هي الأطراف التي ما زال المبعوث الأممي يدعوها للتهدئة، إذ لا يوجد سوى طرف واحد معترف به دوليًا هو الحكومة الشرعية، أما جماعة الحوثيين فلا يعترف بها سوى النظام الإيراني، الذي عاد لممارسة انتهاك سيادة الأراضي اليمنية وتزويد الحوثيين بالمعدات والأسلحة والخبراء عبر طائراته التي تسببت في تصعيد الأزمة مؤخرًا عندما منعت حكومة الشرعية هبوط طائرة في مطار صنعاء، وطالبت المجتمع الدولي بوقف تدخلات إيران في الشأن اليمني، فما كان من الحوثيين سوى إطلاق صواريخ على المملكة!

إذا كان اللاعبون الكبار يريدون الجبهة الحوثية مفتوحة ومشتعلة بتمييع قرارات مجلس الأمن ومنع حكومة الشرعية المدعومة من التحالف من استرداد اليمن واليمنيين من مليشيا تمثل ذراعًا إيرانية تخريبية في المنطقة فإنهم مخطئون عندما يصل الأمر إلى تهديد مباشر لأمن دول الجوار، لا سيما مع عودة المواجهة الأمريكية الإيرانية. لقد تساءلنا قبل أسبوع في مقال عنوانه «من أنعش الحوثي» عندما عاد لخطابه التهديدي للمملكة، والحقيقة أن الجواب معروف وواضح في سياق المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والتنازلات المجانية المقدمة لإيران حتى ولو عادت المواجهة من جديد بين الطرفين، وتأتي هذه التنازلات بعد أن هيأت الأمم المتحدة الأرضية اليمنية للتفتيت والصراعات المستمرة والهيمنة الإيرانية.

لقد استطاعت المملكة تحييد خطر الحوثي تمامًا، وتستطيع لوحدها تدميره كليًا لو ألحق ضررًا بها، لكننا نتحدث عن لعبة استدراج المنطقة إلى حريق كبير ودائم لن تنساق إليه السياسات العاقلة الناضجة، وهذا ما يجب أن تفهمه جيدًا الأطراف التي تدير اللعبة الجهنمية في منطقتنا.

"عكاظ"