كوعدنا لأعدائنا: نحن لا نفهم "اللي فات مات".

إيران التي أنهكتها ضربات واشنطن، ومعها إسرائيل قبل ذلك، وضغط حكومات الدول التي تحاول سحب سلاح مليشيات تابعة لها ، لا تتوقّف عن إثارة حفيظة واشنطن بضربة هنا وأخرى هناك، سيّما في دول الجوار ، أيّة مصلحة تلك التي تدعوها إلى ذلك؟.

عسكرة طباعنا وعقليتنا المقاتلة؛ التي تفهم جيّدًا ما يفعله هؤلاء تقول: بأنّه ينبغي أن يبقى العدو قلقًا، عليه أن لا يطمئنّ إلى مرور الوقت؛ ما قد يتيح له استعدادًا جديدًا للالتفاف خلف أسوار الهدوء، هذا من جهة. من جهة ثانية: ينبغي أن لا يُترك للزمن فرصة " تحريك المواقف والمواقع " ما يعنيه هذا المفهوم: هو أنّه يجب سحب قدرة العدوّ على فرض أمر واقع جديد، يعتذر فيه بتغيّر الأحوال، الأزمان، الأشخاص، والظروف.. الخ؛ ليغيّر مقدار ونوع مطلبك، بمعنى أنّ تكتيك " اللي فات مات وهسا إحنا ولاد اليوم " لا تقبل الصرافة نهائيًّا، هذا ما يفسّر مراوحة الموقف الإيراني مكانه منذ عقود.

في مقصد آخر؛ تقطع إيران طريق انتهاز فرصة عسكرية للانقضاض المفاجئ؛ الذي يمكن لظروف الهدوء تهيئته؛ ما يعني سير خطّة عسكريّة باستقرار ولو لساعات؛ تنتهي بلحظة ظرفيّة حاسمة؛ لن تسمح إيران " العسكرة والقتال وليست اللحية، المسبحة، والتعاويذ " بها.

هناك خطأ يقع به ترمب - بفعل رعونته - وهو يظنّ أنّه يستطيع بذلك شقّ الصفّ المعادي، فمثلًا حين يشيد برئيس مجلس النواب اللبناني؛ ملمّحًا بأنّ: " صفقة تحت الطاولة " تتمّ ؛ قد يكون الرئيس اللبناني فيها " وسيطا منحازًا " في ذات الوقت الذي يستعدّ فيه للحديث مع حزب الله، عليه أن لا يتوقّع أن تتركه إيران يحاول الاقتراب من أذرعها، وهي ترى مخاوف التفاف أمريكي عن طريق السعوديّة، سواء باتجاه صفقة مع الحوثيين، أو فصائل عراقيّة، وعقد تفاهمات بالاستقلال عن إيران.

وقع ترمب كذلك في محذور التقارب بين عون وبرّي؛ بعد أن خاب ظنّ الأوّل من تعهدّات ترمب ذات الوزن الخفيف؛ التي عَقّدت الصورة أمامه وأمام اللبنانيّين؛ الذين راح رئيسهم " يهرول " خلف رئيس وزرائه إلى " مضارب أردوغان " علّه يفوز بكتابٍ مترجم إلى التركيّة هو الآخر؛ يصدّ به أيّ تدخّل سوريٍّ قادمٍ؛ سَيفرضه ترمب.

المشهد العراقي يحمل مثل هذه السمات، حين يَستميل جانب من الفصائل، في مقابل الضغط على البقيّة، ويخلط أوراق العراق مع السعوديّة وإيران؛ إثر إلغاء زيارة الزيدي ـ الذي حجّ هو الآخر إلى أردوغان ـ بعد أن فَضح ترمب " عامداً " تنسيقه مع حكومته. تذكّروا تصريحاتنا حول لعب ترمب بأعصاب الحلفاء والأصدقاء.

في مشهد اللعب هذا؛ تُرك ملعب الحرب مفتوحا لنتنياهو خلف ظهر ترامب، الذي أذْهله تراكُم المفاجآت المُحبطة، والتي لم تُسعفه معها خُطط نتنياهو الجديدة، ولا معلوماته التي " تنتمي إلى الدعاية التجاريّة " أكثر منها إلى " المعلومات الاستخباريّة العسكريّة " لهذا: قد يلجأ نتنياهو؛ أمام عجز ترمب على توجيه ضربات" مخفيّة " بمعنى: توسّع هنا أو هناك؛ بعمليّة محدودة قد تكون على حساب المواقف والتفاهمات لا الأرض، سيّما سوريا ولبنان، لكنّ الأهمّ أن يتحرّك من خلال قواعد سريّة؛ ليست كتلك التي أنشأها في العراق، فلقد انكشف أمرها، بل قد تكون، قاعدة ذكيّة " متحرّكة " داخل إيران أو الأراضي التي تسيطر عليها مليشيات مدعومة من إيران، وسواء من عناصر غير معروفة تابعة لإسرائيل مباشرة؛ تعود إلى مخابئها فورًا بعد تنفيذ ضربتها، أو من خلال عناصر هذه المليشيات أو العملاء في داخل القوّة العسكريّة الإيرانيّة، حين تنفّذ مثل هذه الضربات باسم فصائلها؛ وتفرّ إلى غير رجعة، هذا السيناريو؛ وإن بقي في خانة الاحتمال؛ لكنّه يجد طريقاً سالكاً عند البحث في الضربات الأخيرة على دول الجوار؛ بل والسفن في ميناء دمياط.

سننهي حديثنا ونحن تنذكّر واقعة حدثت قبل سنوات؛ حين أنهى أحد قادة قوّات سورية الديموقراطيّة اجتماعًا مع قيادات عسكريّة أمريكيّة، في قاعدة عسكريّة أمريكيّة، وبعد عدّة مترات في طريق الخروج انفجرت السيارة التي كانت تُقلّه، وقضى فيها مع مرافقيه. السؤال: أين فُخّخت السيارة؟

نتنياهو قد لا يعمل وحيدًا في إحداث تخريب ما. مصلحة العبث ليست في صف إيران وحدها؛ بل تشاركها إسرائيل والولايات المتّحدة، لكن من زوايا متباينة، وضمن معايير مختلفة.

كاتب أردني