أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:20 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • من نقد الفكرة إلى استهداف الإنسان

    د. نادر السقاف




    لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد وسيلة لتبادل الأخبار والآراء، بل أصبح جزءًا من المجال العام الذي تتشكل فيه السمعة، وتُبنى فيه المواقف، وأحيانًا تُهدم فيه حياة كاملة خلال ساعات. وفي هذا الفضاء السريع، حيث تسبق الانفعالاتُ التأملَ، يحدث تحول خطير: يبدأ الأمر بخلاف حول فكرة، ثم لا يلبث أن يصبح خلافًا حول الشخص نفسه، وأخلاقه، ونواياه، وتاريخه، بل وأحيانًا أسرته وانتمائه وحياته الخاصة.

    وهكذا ينتقل النقاش من سؤال: "هل هذه الفكرة صحيحة؟" إلى سؤال مختلف تمامًا: "كيف نثبت أن صاحبها سيئ؟".

    التنمر الإلكتروني لا يبدأ دائمًا بالشتائم المباشرة. قد يبدأ بالسخرية، أو باجتزاء جملة من سياقها، أو بتحويل خطأ عابر إلى هوية دائمة للشخص، أو بإشارة ضمنية تدعو الجمهور إلى الانضمام إلى حملة استهجان جماعية. ومع تكرار المشاركات والتعليقات، يشعر كثيرون أنهم لا يهاجمون إنسانًا حقيقيًا، بل صورة افتراضية مجردة. وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات التواصل الرقمي: الشاشة تحجب عنّا الألم الذي يمكن أن تتركه الكلمات في الطرف الآخر.

    لكن المشكلة الأعمق ليست تقنية بقدر ما هي ثقافية.

    لقد اعتدنا، في كثير من نقاشاتنا، أن نتعامل مع الاختلاف بوصفه معركة لا بد أن يكون فيها منتصر ومهزوم، لا فرصة لاختبار الأفكار وتوسيع الفهم. وحين تصبح غاية الحوار هي الانتصار لا الوصول إلى الحقيقة، يصبح تشويه الخصم وسيلة سهلة وفعالة. فبدل أن نسأل أنفسنا إن كان في رأي الآخر شيء يستحق التأمل، نبحث عن نقطة ضعف يمكن استخدامها لإسكاته.

    وما نحتاجه اليوم ليس فقط قوانين تضبط الإساءة، على أهميتها، وإنما أخلاقًا تنظّم النقاش في الفضاء العام.

    تبدأ هذه الأخلاق بالفصل بين الإنسان وفكرته. فرفض رأي لا يقتضي إهانة صاحبه، كما أن خطأ الإنسان في موقف لا يلغي قيمته الإنسانية. نحن جميعًا أكثر تعقيدًا من تغريدة، وأوسع من موقف، وأكبر من خطأ.

    ثم يأتي الإنصاف، وهو قيمة تبدو بسيطة لكنها تصبح نادرة في لحظات الغضب الجماعي. قبل مشاركة منشور يدين شخصًا، ربما يجدر بنا أن نسأل: هل قرأت كلامه كاملًا؟ هل أعرف السياق؟ هل تحققت من صحة ما يُنسب إليه؟ وهل أقبل أن يُحكم عليّ بالطريقة نفسها لو اجتزأ أحدهم أسوأ جملة قلتها في حياتي؟

    أما الحوار الناضج، فلا تكون غايته تسجيل النقاط، بل البحث المشترك عن فهم أوسع. وهو لا يفترض أن الحقيقة ملك كامل لطرف واحد، بل يترك دائمًا احتمال أن يرى الآخر جزءًا لم نره نحن. وهذه الروح لا تعني التنازل عن القناعات، ولا مساواة الصواب بالخطأ، لكنها تعني عرض ما نؤمن به بقدر من التواضع الفكري يسمح بالمراجعة والتعلم.

    ومن الضروري كذلك أن ندرك مسؤولية المتابع. فحملات التنمر لا يصنعها شخص واحد غالبًا، بل تتشكل من آلاف المشاركات الصغيرة: إعجاب ساخر، إعادة نشر، تعليق لاذع، أو حتى صورة محرّفة بالذكاء الاصطناعي. وكل مشاركة من هذه المشاركات قد تبدو بلا أثر بمفردها، لكنها حين تتراكم تتحول إلى موجة يصعب على الفرد مواجهتها.

    ومن هنا، فإن الامتناع عن المشاركة في الإهانة ليس موقفًا سلبيًا، بل مساهمة حقيقية في وقف دائرة العنف المعنوي.

    إن جودة أي مجتمع لا تُقاس فقط بمقدار الحرية المتاحة للناس كي يتكلموا، بل أيضًا بالطريقة التي يختارون بها استخدام هذه الحرية. فحرية التعبير حين تنفصل عن المسؤولية قد تتحول إلى أداة للإذلال والتشهير، بينما يمكن للحرية المصحوبة بالاحترام والإنصاف أن تجعل من الاختلاف مصدرًا لنضج المجتمع، لا سببًا لتمزيقه.

    لسنا بحاجة إلى فضاء إلكتروني يخلو من الخلاف؛ فهذا مستحيل، وربما غير مرغوب أصلًا. فالاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع حي. ما نحتاج إليه هو أن نتعلم كيف نختلف دون أن نلغي بعضنا بعضًا، وكيف ننقد الأفكار بصرامة من دون أن نجرّد أصحابها من كرامتهم.

    وربما يبدأ الإصلاح من سؤال بسيط قبل كل تعليق أو مشاركة: هل ما سأكتبه يضيف فهمًا إلى النقاش، أم يضيف جرحًا جديدًا إلى إنسان؟

    لو أصبح هذا السؤال عادةً فردية وثقافةً عامة، فقد يتغير شكل فضائنا الإلكتروني أكثر مما نتخيل.

المزيد من مقالات (د. نادر السقاف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال