في يوم المعلّم، لا أريد أن أقدّم للمعلّم وردةً فقط، بل أن أقف قليلًا أمام باب الصف وأسأل: ماذا يحدث حقًا عندما يدخله المعلّم كل صباح؟ أراه كمن يدخل منجمًا عجيبًا مليئًا بالأحجار الكريمة؛ لا حجر فيه يشبه الآخر، ولا قيمة جوهرة تُقاس بشكلها قبل أن تُصقل. أمامه طفل سريع الفهم، وآخر يحتاج وقتًا أطول، طفل جريء يرفع يده قبل اكتمال السؤال، وآخر يعرف الإجابة لكنه يخشى أن يتكلم، طفل تبدو موهبته من أول يوم، وآخر قد تمر سنوات قبل أن يكتشف أحد اللمعة المختبئة داخله. وهنا تبدأ عظمة المعلّم؛ فليس دوره أن يجعل الأحجار كلها متشابهة، بل أن يعرف كيف يصقل كل حجر دون أن يمحو خصوصيته، وكيف يبحث عن اللمعة قبل أن يحكم على الغلاف. وما أخطر أن يخطئ الصائغ في جوهرة فيظنها حجرًا عاديًا، وما أعظم أن يرى المعلّم في طفلٍ ما لم يره الطفل بعد في نفسه.
وفي اليمن تحديدًا، يصبح هذا الدور أكبر من درس وكتاب وامتحان؛ لأن المعلّم حين يدخل صفه يقف في الحقيقة أمام نسخة مصغرة من اليمن الذي لم يصل بعد. في تلك المقاعد يجلس طبيب الغد ومهندسه وقاضيه وصحفيّه ومعلّمه، وتجلس أم ستربي أسرة، وأب سيصنع بيئة بيت، وربما يجلس بينهم طفل سيصبح يومًا مسؤولًا عن حقوق الناس ومصالحهم. ونحن كثيرًا ما نسأل: كيف نريد مسؤول الغد؟ نريده عادلًا، نزيهًا، رحيمًا، يسمع الناس، يحترم الاختلاف، ولا يحوّل المسؤولية إلى امتياز. لكننا ننسى سؤالًا أسبق: أين يتعلم الإنسان كل ذلك؟ فقبل أن يجلس خلف مكتب كبير، جلس سنوات خلف طاولة صغيرة، وقبل أن تُوضع في يده سلطة، شاهد السلطة لأول مرة في صورة أب وأم ومعلّم. فإذا رأى معلّمه ينصف الضعيف، تعلّم أن القوة مسؤولية، وإذا لم يفرّق بين غني وفقير تعلّم المساواة، وإذا سمح له أن يسأل تعلّم أن السؤال باب للمعرفة لا وقاحة، وإذا احترم الرأي المختلف تعلّم أن الاختلاف لا يصنع عدوًا، وإذا قال معلّمه يومًا أمام تلاميذه: «أخطأت»، تعلّم درسًا قد يكون أثمن من صفحات كاملة: أن المكانة لا تجعل الإنسان أكبر من تصحيح خطئه.
أما إذا تعلّم الطفل أن الأقوى دائمًا على حق، وأن الصمت أكثر أمانًا من السؤال، وأن الخطأ يُعالج بالإهانة، وأن التفوق مبرر للاستخفاف بالآخر، فقد نحفّظه جدول الضرب كاملًا، ثم نستغرب بعد عشرين عامًا لماذا لم يتعلم جدول الحقوق والواجبات. لذلك فاليمن لا يحتاج من المدرسة أن تملأ ذاكرة أبنائه بالمعلومات فحسب؛ يحتاجها أن تصقل فيهم الضمير، وأن تعلّمهم الحوار والتشاور والتعاون واحترام الاختلاف، وأن المسؤولية خدمة، وأن النجاح الحقيقي لا يعني أن أتقدم وحدي بل أن أعرف كيف أتقدم دون أن أدوس على غيري.
وربما هنا تكمن أجمل مفارقة في مهنة التعليم: أن المعلّم كثيرًا ما لا يرى النتيجة النهائية لما صنعه. يخرج الطفل من صفه، تكبر السنوات، تتغير المدن والوجوه، وقد ينسى المعلّم اسمه، لكن كلمةً واحدة قالها له ربما تبقى ثلاثين عامًا؛ إنصافٌ في موقف، ثقةٌ منحه إياها حين شك الجميع فيه، سؤالٌ سمح له أن يسأله، أو جملة بسيطة قالها: «أنت تستطيع». وقد يصل ذلك الطفل يومًا إلى مكان بعيد لا يصل إليه معلّمه أبدًا، لكن شيئًا من المعلّم يكون قد وصل قبله.
لهذا، في يوم المعلّم، لا يكفي أن نقول لمعلّمي اليمن: شكرًا لأنكم علّمتم أبناءنا القراءة والكتابة. بل شكرًا لأنكم تدخلون كل صباح منجمًا لا يعرف أحد حجم كنوزه بعد، وتحملون مسؤولية ألا تضيع جوهرة لأن لمعانها تأخر، وألا يُكسر حجر كريم لأن أحدًا استعجل الحكم عليه. فالمعلّم الحقيقي لا يصنع من الأطفال نسخًا متشابهة؛ إنه يساعد كل واحد منهم أن يكتشف القيمة التي أودعها الله فيه.
وحين نفكر في مستقبل اليمن، ربما ينبغي ألا ننظر فقط إلى المكاتب التي سيجلس خلفها مسؤول الغد، بل إلى المقاعد الصغيرة التي يجلس عليها اليوم؛ لأن بناء الوطن قد يبدأ أحيانًا من مشهد لا تلتفت إليه الأخبار: معلّم ينحني بجوار طفل، يرى فيه جوهرة لم يرها أحد بعد، ويبدأ بصبر في صقلها.
فالمعلّم لا يشرح للغد درسًا فحسب إنه يصقل الإنسان الذي سيتسلّم الغد.
وكل عام ومعلّمو اليمن بخير؛ أولئك الذين يدخلون الصف حاملين كتابًا، ويخرج من بين أيديهم، بعد أعوام، وطنٌ كامل.