أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:25 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​عندما يصبح الشرف تهمة والكفاءة جريمة

    أحمد عبدالله المريسي




    ​إن أخطر ما يهدد كيان الدولة ليس العجز في الموارد ولا شحة الإمكانيات ولا حتى تقلبات السياسة، بل ذلك الانقلاب الصامت والخطير في منظومة القيم والمعايير، الذي جعل من الفشل منهجًا يدار به العمل، ومن الفساد ثقافة تحكم السلوك، ومن الإقصاء سياسة ممنهجة لتصفية الحسابات. لقد وصلنا إلى حقيقة مرة لا يمكن القفز عليها ولا تجميلها، وهي أن معركة البقاء الحقيقية لم تعد مع عدو في الخارج، بل مع عقلية في الداخل قررت أن تستبدل منطق الدولة بمنطق الغنيمة، ومنطق المؤسسة بمنطق المزرعة الخاصة، ومنطق القانون واللائحة بمنطق الولاء والمكالمة والوساطة.

    لقد ترسخت لدى البعض قناعة خبيثة بأن بقاءه في منصبه مرهون بغياب الكفاءة من حوله، وأن نفوذه لا يستقيم إلا إذا غابت النزاهة، وأن سلطته لا تكتمل إلا إذا تم تهميش الخبرة، فنشأ صراع غير معلن لكنه شرس وموجود في كل مرفق بين مشروعين لا يلتقيان أبداً، مشروع وطني يريد دولة مؤسسات منضبطة تحكمها القوانين واللوائح، ويصان فيها المال العام، ويحترم فيها التدرج الوظيفي والعدد القانوني للوظائف والتوصيف العلمي الدقيق لكل وظيفة، ومشروع آخر مشوه يريد كيانًا بلا هوية قانونية ولا ضوابط إدارية، يدار بالمزاج الشخصي، حيث لا وجود لشيء اسمه عدد معتمد للوظائف ولا هيكل تنظيمي معتمد ولا وصف واضح لكل وظيفة، بل مجرد توظيف عشوائي وكشوفات وهمية وأسماء تتقاضى رواتب ومخصصات تصرف في الظلام بلا سند قانوني.

    والمتأمل في مسار هذا الانهيار الإداري يدرك أننا لا نعاني أبدًا من نقص في الكوادر الوطنية، فالوطن مليء برجال الدولة الحقيقيين الذين يملكون من الخبرة المتراكمة والكفاءة المشهودة والنزاهة الراسخة ما يؤهلهم لإدارة أعقد الملفات وأصعبها، لكن المأساة الحقيقية أن هؤلاء هم بالذات من يتم استهدافهم ومحاربتهم بشكل مباشر وممنهج، لأنهم يمثلون النقيض الموضوعي والكامل لمنظومة الفساد. فالشريف في قاموس الفاشلين ليس قدوة يجب تكريمها بل خطر يجب تحييده، لأنه يرفض أن يمد يده إلى المال العام ويرفض أن يكون شاهد زور، والنزيه ليس قيمة يجب الحفاظ عليها بل عقبة يجب كسرها لأنه لا يوقع على باطل ولا يمرر مخالفة ولا يجامل على حساب القانون، والخبير ليس ثروة وطنية يجب الاستفادة منها بل عبء ثقيل يجب التخلص منه، لأنه بعلمه وفكره يكشف حجم الفراغ والجهل الذي يدار به المرفق.

    وهكذا انقلبت كل الموازين، فصار الفاشل هو من يقرر مصير الناجح، وصار من لا يملك أي مؤهل علمي أو إداري سوى القرب والولاء الشخصي هو من يحاكم ويقيم من يملك سجلًا حافلًا من العمل والانضباط والعطاء.

    إن الدولة التي تسمح بأن يكافأ الفاشل بالبقاء والترقية ويعاقب الناجح بالإقصاء والتهميش، هي دولة تعلن عن انتحارها المؤسسي بيدها وتسير بخطى ثابتة نحو الانهيار الكامل، والمؤسسة التي تفتح أبوابها واسعة للمحسوبية والوساطة وتغلقها في وجه الكفاءة والخبرة، إنما تكتب شهادة وفاتها بيدها وهي لا تزال تمارس عملها شكليًا أمام الناس. ولا يمكن لأي خطاب سياسي يتحدث عن استعادة الدولة وتوحيد القرار وبناء المستقبل أن يكون صادقًا أو مقنعًا أو مقبولًا، وهو في الخفاء يمارس عكس ما يقول في العلن، فيقصي الكفاءات الوطنية ويحاصرها في أرزاقها ويحاربها في مواقعها ثم يحدثنا بعد ذلك عن الإصلاح ومحاربة الفساد.

    إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بشعار يرفع في مهرجان ولا بخطاب يلقى في منصة، بل بقرار شجاع وحازم يعيد الاعتبار لمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ولو تزلزلت الأرض تحت أقدام المنتفعين والفاسدين. لقد سكتنا طويلًا عن هذا العبث حتى استفحل وتجذر، وجاملنا كثيرًا حتى صارت المجاملة دينًا يدان به، وخوفنا من المواجهة وقول الحقيقة حتى أصبح الفساد هو الأصل والقاعدة، وأصبحت النزاهة هي الاستثناء الذي يثير الاستغراب.

    واليوم لم يعد هناك مجال للسكوت ولا للمواربة ولا للمجاملة على حساب وطن، فإما أن ننتصر بكل وضوح لمنطق الدولة ومعيار الكفاءة والخبرة والنزاهة، وإما أن نترك الحبل على الغارب لهذه العقلية المدمرة التي ستأخذنا جميعًا إلى قاع سحيق لا قيام بعده.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال