أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:25 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين يُلغى عقد المعلم: من يجدّد عقد المستقبل؟

    د. جلال حاتم




    ​في عيد المعلمين العالمي، أقترح أن يتبادل المسؤولون والمعلمون مواقعهم لساعة واحدة: يجلس المسؤول على مقعد الطالب، ويقف المعلم أمام السبورة، ويكتب سؤالًا: كيف تبنون المستقبل وأنتم تجعلون من يبنيه قلقًا على لقمة عيشه؟

    قد يكون هذا الامتحان أكثر فائدة من احتفال تُوزَّع فيه الشهادات، ثم يعود المعلم إلى منزله حاملًا تكريمًا لا يسدد فاتورة، وتصفيقًا لا يمنحه أمنًا وظيفيًا.

    وسواء حُلّت مشكلة المعلمين المتعاقدين في حضرموت، بعد الأزمة التي شهدتها مدارس الساحل خلال سبتمبر، أم بقيت بعض جوانبها معلّقة، فإن السؤال يظل قائمًا: ما الضمانات التي تمنع تكرارها عند تجديد العقود أو تعثر التمويل؟ ثم لماذا يستمر التعاقد المؤقت سنوات، ما دامت الحاجة إلى هؤلاء المعلمين دائمة؟ وأين مسار التعيين الذي يحفظ حقوقهم ويمنحهم الاستقرار الوظيفي الذي يستحقونه؟

    هذا هو جوهر القضية. فقد يعود المعلم إلى الفصل، ويبقى قلقه واقفًا عند الباب. وقد ينتظم الجدول الدراسي، بينما يظل من ينفذه عاجزًا عن التخطيط لحياته، لأن مصدر رزقه مرتبط بقرار يتجدد كل فترة.

    تحتاج المدرسة إلى معلم يحضّر درسه، ويتابع طلابه، ويطور معرفته. وكل ساعة يقضيها في ملاحقة مستحقاته أو الدفاع عن استمراره في العمل تُقتطع من جهده ومن حق أسرته في الاطمئنان. وحين تتكرر الأزمات، تصبح التضحية الشخصية وسيلة دائمة لتغطية خلل الإدارة والتمويل.

    والمعلم المتعاقد يؤدي عملًا تتوقف عليه خدمة عامة أساسية. فإذا كانت الحاجة إليه مستمرة، فمن حقه أن يعرف مساره الوظيفي، ومعايير تجديد عقده، وحقوقه، وآليات التظلم المتاحة له. ومن واجب الإدارة أن توازن بين احتياجات المدارس وإمكاناتها ضمن قواعد واضحة، بدلًا من إبقاء الجميع في انتظار أزمة جديدة.

    اقتصاديًا، قد يبدو تقليص الإنفاق على المعلمين وفرًا سريعًا، لكن كلفته تظهر في حصص مفقودة، وفصول مكتظة، وأسر تدفع لتعويض ضعف التعليم. ثم تمتد إلى مهارات أقل وإنتاجية أضعف. هكذا يدفع المجتمع لاحقًا ما ظنت الإدارة أنها وفرته اليوم.

    والأخطر هو الدرس الذي يتلقاه الطلاب دون أن يُكتب في المنهج: يرون معلمهم، الذي يحدثهم عن قيمة العلم والاجتهاد، قلقًا على راتبه وعمله. فبأي حجة نقنعهم بأن التعليم يفتح أبواب الكرامة؟

    ضيق الموارد واقع ينبغي مواجهته بمراجعة الإنفاق وترتيب الأولويات، وتأمين تمويل يمكن الاعتماد عليه، وتسويات وظيفية عادلة وفق القانون. كما ينبغي وضع إجراءات معلنة لتجديد العقود، وربط المساءلة بالأداء المهني، وإشراك ممثلي المعلمين في معالجة المشكلات قبل استفحالها.

    في عيد المعلمين، نرحب بكل حل يرفع المعاناة، ونطالب بأن يتحول إلى استقرار تحميه القواعد والموازنات. فالاحتفاء الحقيقي بالمعلم يبدأ حين يستطيع دخول فصله مطمئنًا إلى حقوقه، متفرغًا لأداء رسالته، وقادرًا على رؤية غده بوضوح.
    إذا جعلنا مستقبل المعلم مؤقتًا، فبأي ثقة نتحدث عن مستقبل أبنائنا؟

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال