​سيكون هروب الظُلّام ،،، الحوار ليس هو الحل الأمثل ،،، إنّه : السجن، سحب الألقاب، الامتيازات ... لا يرفع الوضيع إلّا مثله.

ليس كبيراً هذا هروب سبتة - كما تسميه الأوساط الإعلاميّة - فهو لا يتعدّى ذرّةً مقداره في مقابل أسبابه . حتى لا يبقى حديثنا قاصراً على بلد ما ؛ يجعل منه مجرّد تعليق على حادثة ، ولأنّنا نرى فيه مثالاً صالحاً لمساحة أكبر؛ سنعمّم حديثنا ولن نخصّصه بدولة معينة ، مستعينين بالهروب هذا مثالاً.

بغضّ النظر عن تلك المبرّرات الإعلاميّة المتخيّلة حول أسباب المشكلة ، التي زادت التصريحات الرسميّة في إغراقها عند وحل الإستدارة عن الحقيقة ، فلا هي المشكلة : تقارباً بين إسبانيا والجزائر بعد قطيعة ، ولا هي دعم إسبانيا لقضايا فلسطين وغزّة ؛ التي يروّجها أصحاب "كروش  التبن ورؤوس الفضلات "  حول مؤامرة "صليبيّة"  ولا نتيجة كأس العالم التي أشبعت شعوب هذه الدول " لعقاً لمخلّفات أجهزة مخابراتها " ،  وإذا وضعنا في الحسبان ثورة  " جيل زد " التي استندت على ذات أسباب " الهروب  الصغير "  ، وتذكّرنا أنّ إخمادها كان بأسباب التخدير ذاتها ، يمكننا التأكيد على : أنّ أسباب كليهما المعلنة لم تكن حقيقيّة _ كما هي محاولات علاجهما.

ليست الأسباب معيشيّة ، اجتماعية  ، اقتصاديّة .. الخ ، هذ نتائج وليست أسباب ، السبب في السياسة لا في الاقتصاد ، طريقة الحكم التي تستند على حكم الأفراد ، الذين تستيعن بهم السلطة ؛ لضبط فئات يتبعون لها ؛ بحيث تُقلب معادلة التبعيّة هذه ، ينتهي معها الإنسان " ولن أقول " المواطن  فهو لم يبلغ هذه المرحلة بعد "  إلى محتاج متسوّل عند أبواب " أحذية السلطة " التي لا تتوقّف عند حدّها هذا، بل تستعمل نفوذها في السيطرة، وفرد شبكات قوّتها على امتداد مساحة العمل الحكومي أوّلا ، الذي يتيح لها السيطرة على مساحة العمل الخاص بالضرورة : العطاءات، الوظائف، الخدمات ... الخ ، بالطبع هذا كلّه تحت حماية السلطة ؛ والقوانين التي ترى مَن تَحتَها فقط ، وتعمى عمّن فوقها . 

حتى أنّ تفاصيل القوانين التي تحكم شؤون الناس الخاصّة ترسّخ مثل هذا ، وإذا أردنا ضرب مثال بسيط يومي ؛ نورد أحكام التنازل عن الحق الشخصي والصلح ؛ التي من شأنها التأثير في حكم المحكمة ، وهي تستلزم بالضرورة دخول وسطاء بين الخصمين ، رسّخت السلطة نفوذهما حتى في أحوال الناس الخاصّة.

لا يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تصنع السلطة لذاتها قداسة ، وفي مفهومنا للقداسة لا يمكننا إغفال أنّها تستلزم " عبيداً " وكلّ حديث عن حقوق الإنسان في هذا الإطار ؛ لا نصنّفه إلّا مداساً " لأقدام " كلاب السلطة " وهي تبيع وتشتري في حياة الناس و صحّتهم وأموالهم وأعراضهم.

هذا كلّه لا يُعفي الناس من مسؤوليتهم عن التيه في سذاجتهم ؛ وهم يصدّقون وعود الازدهار وجذب الاستثمار وفرص العمل ، التي لا يستفيد منها إلا " كلاب السلطة وأذناب العصابات " وهم فوق ذلك يسيّرون _ بحكم التركيب السابق _ قوانين بلادهم وكيفيّة تشكيل مؤسّساتها وفقا لهذا النهج ، لقد غَفِل هؤلاء الناس أنّ مشكلتهم في " حكمهم " لا في عمَلهم ، وراحوا مع ذلك يركعون أمام " سراب الغد " و " وعود السماء " التي اخترعها الأسياد لحكم العبيد ، وهم لا زالوا يخشون دفع ثمن بسيط يغيّر حالهم ؛ في ذات الوقت الذي لا يخشون فيه من الإبحار في " مياه الموت " وهم يفرّون من جور  " أوهامهم " ، بعد أن انتظروا فرص العمل ولم تأتِ ، وعقدوا الأمل على خبير في الاقتصاد تولّى شأنهم ؛ ولم يفعل .... الخ ، غَدَرهم وأغرَقَهم الفساد ؛ وهم يرقبون ضبطه متلبّسا مع كيس مسروقاته.

الفساد ليس سرقة الأموال، إنّه سرقة السلطة والنفوذ بالطريقة التي أشرنا إليها ، والحلّ ليس بالحوار كما تُشيعه أو حتى تعرفه " سذاجة الموظفين " وفريق " حاضر سيدي " ، ولا بتشكيل حكومة اقتصاديّين أو تكنوقراط ، هؤلاء يبحثون عن جمع المال ؛ ولو بطريقة دنيئة تشبه تقاريرهم السريّة التي اعتادوا كتابتها ، لقد أتوا من ذات " مستقع الأحذية " من يريد حلّ أزمة الناس لا يُطلق الوعود ، لا يُغيّر " قبّعات " غراسينه " ، ولا يحيل إلى القضاء حتى تفصّل الأحكام ، بل يزجّ على الفور بالسجن ، يسحب الألقاب ، ويسترد الرواتب والامتيازات منذ تولي الفاسد منصبه ، كلّ هذا بالعلن.

طالما أنّ هذا لم يحدث ، فعلى من يريد تصديق أنّ مؤامرة على " مواقع التواصل " يمكنها اقناع عشرات الآلاف_  وغيرهم بالملايين _ بترك بلادهم والمخاطرة بحياتهم ؛ أن يعلم أنّ هذه ؛ هي الأسباب التي دفعت بهم إلى الوقوع في شراك هذه المؤامرة التي ركّبتها " كلاب السلطة " حين فَعَلَت ما فَعَلت؛ وبعد ذلك قرّرت أن تتخلّص من هؤلاء _ بطريقة ما _  وطردهم إلى خارج الحدود للقضاء على قوتهم في إثارة الداخل ، هذا يُجيب على تساؤلٍ مفاده: أين هي أعين السلطات ؛ التي لا يُعفيها الإنشغال بمناسبة وطنيّة.

لكنّ الجديد في عالم التغيّرات التي شهدتها المنطقة يقضي بعكس ذلك ، لقد اقتنص المطرودون من بلادهم  فرصة " التعسكر على حدودها " وتحيّن فرصة الانقضاض على حكم طال عهد ظلمه ، حتى ظنّه كلابه أنّه آبد مقدّس ، وظلّوا " ينسحبون تكتيكيّا " حتى بانت عورتهم.

كاتب اردني