من المسلّم به لدى معظم الاختصاصيين ذوي العلاقة بالاقتصاد أن معالجة أزمة العملة الوطنية لا تبدأ من سعر الصرف، وإنما تبدأ من إصلاح الأسس الاقتصادية التي تمنح العملة قيمتها.
فرفع قيمة العملة أو خفضها لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء اقتصاد منتج قادر على توليد النقد الأجنبي. وفي الوقت نفسه، فإن إدارة سعر الصرف تظل جزءًا مهمًّا من السياسة النقدية لمنع التقلبات الحادة وحماية الاقتصاد من آثار التضخم.
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب الجمع بين الاستقرار النقدي والانضباط المالي، من خلال التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، والعمل على إنجاز الإصلاح المصرفي، واستعادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد اليمني.
لكن أمام التحديات الاقتصادية الراهنة، وتدهور سعر صرف العملة الوطنية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2015، يذهب بعض الزملاء بخفة إلى اختزال مواجهة الأزمة في تعديل سعر الصرف، دون النظر إلى العوامل الاقتصادية الحقيقية التي تحدد قيمته.
ولهذا يطالبون البنك المركزي بالعمل على رفع قيمة العملة الوطنية في مبادلاتها مع العملات الأجنبية، وينتقدون تحديد سقف مبادلة الريال اليمني عند 410 ريالات يمنية مقابل الريال السعودي، ويطالبون باستمرار التخفيض التدريجي لسعر الصرف.
والغريب أنه، رغم عدم توفر الأساس الاقتصادي الذي يسمح بذلك، فإنهم لا يطالبون البنك المركزي بالعودة إلى سياسة التعويم وجعل السوق المحدد الوحيد لسعر الصرف، كما دأب صندوق النقد الدولي على التأكيد عليه في تقاريره باستمرار.
إلا أن هؤلاء، عندما يطالبون باستمرار الخفض التدريجي لسعر الصرف، يتجاهلون المشكلات الاقتصادية البنيوية والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، رغم تشخيصهم الصحيح لبعض الاختلالات القائمة في كتاباتهم.
إن النقد الموجه للزملاء هنا يستند إلى نقطة مهمة، وهي أن تخفيض سعر الصرف يحتاج إلى شروط محددة؛ فالتخفيض التدريجي قد يكون مفيداً في اقتصاد لديه صادرات قادرة على الاستجابة، واحتياطيات نقدية كافية، وجهاز مالي فعال، وقبل كل شيء قاعدة إنتاجية وصادرات يمكن الاعتماد عليها.
أما في حالة اليمن، حيث يعتمد الاقتصاد بدرجة عالية على الاستيراد، فإن انخفاض قيمة الريال الذي يطالب به البعض غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانتقال العبء إلى المستهلك، وفي المحصلة زيادة معدلات الفقر.
لذلك فإن السؤال ليس: هل نخفض سعر الصرف أم نرفعه؟
بل: ما السياسة التي تعيد التوازن بين سعر الصرف والاقتصاد الحقيقي؟
والغريب أنهم يحملون البنك المركزي مسؤولية الانهيار الاقتصادي، وكأنهم يطلبون منه وحده خلق قيمة العملة، وهم على دراية بأن الاقتصاد لا يولد صادرات ولا إيرادات كافية من العملات الأجنبية.
إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الموارد السيادية المحلية لا يزال، رغم الإجراءات المتخذة، لا يورد إلى حساب الحكومة لدى البنك المركزي. ومع استمرار الحرب، أصبحت الدولة تعتمد بدرجات متزايدة على المساعدات والدعم الخارجي في تمويل جزء من الإنفاق، بما في ذلك بند الرواتب.
وعليه، فإن وجه الاختلاف مع الزملاء ليس في تشخيصهم لمعاناة الاقتصاد، وإنما في إصرارهم على أن إعادة تقييم سعر الصرف وحدها يمكن أن تكون مفتاح التعافي، في حين تشير التجارب الاقتصادية إلى أن سعر الصرف هو نتيجة لقوة وصحة الاقتصاد، وليس سببًا كافيًا لصحته.
ومن جانب آخر، نجد أن البعض يخلط بين أهمية وضرورة مشاريع تحديث النظام المالي وبين معالجة جذور الأزمة، ولذلك ينتقدون إنشاء شركة المدفوعات والمقاصة، وإعادة تنظيم سجل المتعثرين، وغيرها من الإصلاحات، ويشيرون إلى أنها تسحب وظائف البنك المركزي.
وهذا يتجاهل أن محافظ البنك المركزي يرأس مجلس إدارة هذه الشركات، وأن الهدف منها هو إحكام الربط بين أداء هذه المؤسسات وتوجهات البنك المركزي، إضافة إلى إنجاز مهمة تحديث القطاع المصرفي بما يتوافق مع التطورات التكنولوجية والرقمية في النظام المالي الدولي، والمساعدة في ربط البنوك اليمنية بالبنوك الخارجية، التي لا تزال تواجه صعوبات وتحديات في الوصول إلى البنوك المراسلة في الخارج.
ومن المهم الإشارة إلى أن البنوك المركزية في الاقتصادات الحديثة لا تقوم بكل العمليات بنفسها، بل تضطلع بدور التنظيم والرقابة ووضع الأطر والسياسات، بينما تنفذ مؤسسات متخصصة بعض الوظائف التشغيلية.
لذلك فإن معظم هذه المشاريع التي أقدم البنك المركزي على إنشائها ليست بديلًا عن إصلاح الاقتصاد، وإنما هي أدوات مهمة وضرورية لتطوير القطاع المالي والمصرفي اليمني.
وفي الأخير، يمكن القول إن إصلاح القطاع المصرفي لا يقل أهمية عن إصلاح سعر الصرف، لأن المشكلة الأساسية في بلادنا ليست فقط في قيمة الريال، بل أيضًا في ضعف وظيفة الوساطة المالية وقدرة الجهاز المصرفي على دعم النشاط الاقتصادي.
فرفع قيمة العملة أو خفضها لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء اقتصاد منتج قادر على توليد النقد الأجنبي. وفي الوقت نفسه، فإن إدارة سعر الصرف تظل جزءًا مهمًّا من السياسة النقدية لمنع التقلبات الحادة وحماية الاقتصاد من آثار التضخم.
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب الجمع بين الاستقرار النقدي والانضباط المالي، من خلال التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، والعمل على إنجاز الإصلاح المصرفي، واستعادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد اليمني.
لكن أمام التحديات الاقتصادية الراهنة، وتدهور سعر صرف العملة الوطنية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2015، يذهب بعض الزملاء بخفة إلى اختزال مواجهة الأزمة في تعديل سعر الصرف، دون النظر إلى العوامل الاقتصادية الحقيقية التي تحدد قيمته.
ولهذا يطالبون البنك المركزي بالعمل على رفع قيمة العملة الوطنية في مبادلاتها مع العملات الأجنبية، وينتقدون تحديد سقف مبادلة الريال اليمني عند 410 ريالات يمنية مقابل الريال السعودي، ويطالبون باستمرار التخفيض التدريجي لسعر الصرف.
والغريب أنه، رغم عدم توفر الأساس الاقتصادي الذي يسمح بذلك، فإنهم لا يطالبون البنك المركزي بالعودة إلى سياسة التعويم وجعل السوق المحدد الوحيد لسعر الصرف، كما دأب صندوق النقد الدولي على التأكيد عليه في تقاريره باستمرار.
إلا أن هؤلاء، عندما يطالبون باستمرار الخفض التدريجي لسعر الصرف، يتجاهلون المشكلات الاقتصادية البنيوية والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، رغم تشخيصهم الصحيح لبعض الاختلالات القائمة في كتاباتهم.
إن النقد الموجه للزملاء هنا يستند إلى نقطة مهمة، وهي أن تخفيض سعر الصرف يحتاج إلى شروط محددة؛ فالتخفيض التدريجي قد يكون مفيداً في اقتصاد لديه صادرات قادرة على الاستجابة، واحتياطيات نقدية كافية، وجهاز مالي فعال، وقبل كل شيء قاعدة إنتاجية وصادرات يمكن الاعتماد عليها.
أما في حالة اليمن، حيث يعتمد الاقتصاد بدرجة عالية على الاستيراد، فإن انخفاض قيمة الريال الذي يطالب به البعض غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانتقال العبء إلى المستهلك، وفي المحصلة زيادة معدلات الفقر.
لذلك فإن السؤال ليس: هل نخفض سعر الصرف أم نرفعه؟
بل: ما السياسة التي تعيد التوازن بين سعر الصرف والاقتصاد الحقيقي؟
والغريب أنهم يحملون البنك المركزي مسؤولية الانهيار الاقتصادي، وكأنهم يطلبون منه وحده خلق قيمة العملة، وهم على دراية بأن الاقتصاد لا يولد صادرات ولا إيرادات كافية من العملات الأجنبية.
إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الموارد السيادية المحلية لا يزال، رغم الإجراءات المتخذة، لا يورد إلى حساب الحكومة لدى البنك المركزي. ومع استمرار الحرب، أصبحت الدولة تعتمد بدرجات متزايدة على المساعدات والدعم الخارجي في تمويل جزء من الإنفاق، بما في ذلك بند الرواتب.
وعليه، فإن وجه الاختلاف مع الزملاء ليس في تشخيصهم لمعاناة الاقتصاد، وإنما في إصرارهم على أن إعادة تقييم سعر الصرف وحدها يمكن أن تكون مفتاح التعافي، في حين تشير التجارب الاقتصادية إلى أن سعر الصرف هو نتيجة لقوة وصحة الاقتصاد، وليس سببًا كافيًا لصحته.
ومن جانب آخر، نجد أن البعض يخلط بين أهمية وضرورة مشاريع تحديث النظام المالي وبين معالجة جذور الأزمة، ولذلك ينتقدون إنشاء شركة المدفوعات والمقاصة، وإعادة تنظيم سجل المتعثرين، وغيرها من الإصلاحات، ويشيرون إلى أنها تسحب وظائف البنك المركزي.
وهذا يتجاهل أن محافظ البنك المركزي يرأس مجلس إدارة هذه الشركات، وأن الهدف منها هو إحكام الربط بين أداء هذه المؤسسات وتوجهات البنك المركزي، إضافة إلى إنجاز مهمة تحديث القطاع المصرفي بما يتوافق مع التطورات التكنولوجية والرقمية في النظام المالي الدولي، والمساعدة في ربط البنوك اليمنية بالبنوك الخارجية، التي لا تزال تواجه صعوبات وتحديات في الوصول إلى البنوك المراسلة في الخارج.
ومن المهم الإشارة إلى أن البنوك المركزية في الاقتصادات الحديثة لا تقوم بكل العمليات بنفسها، بل تضطلع بدور التنظيم والرقابة ووضع الأطر والسياسات، بينما تنفذ مؤسسات متخصصة بعض الوظائف التشغيلية.
لذلك فإن معظم هذه المشاريع التي أقدم البنك المركزي على إنشائها ليست بديلًا عن إصلاح الاقتصاد، وإنما هي أدوات مهمة وضرورية لتطوير القطاع المالي والمصرفي اليمني.
وفي الأخير، يمكن القول إن إصلاح القطاع المصرفي لا يقل أهمية عن إصلاح سعر الصرف، لأن المشكلة الأساسية في بلادنا ليست فقط في قيمة الريال، بل أيضًا في ضعف وظيفة الوساطة المالية وقدرة الجهاز المصرفي على دعم النشاط الاقتصادي.

















