لم تعد الحرب اليمنية مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والجغرافية. ومع عودة التصعيد خلال عام 2026، يبدو اليمن أمام لحظة مختلفة عن سنوات الجمود التي أعقبت هدنة 2022، فيما تحذر الأمم المتحدة من أن البلاد تواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة منذ تلك الهدنة.

في الطرف الأول يقف معسكر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مدعومًا سياسيًا وعسكريًا من المملكة العربية السعودية، وفي الطرف الآخر جماعة الحوثي التي راكمت خلال سنوات الحرب ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحولت موقع اليمن الجغرافي إلى ورقة ضغط على الإقليم والملاحة الدولية. وقد عادت في الأسابيع الأخيرة إلى استهداف منشآت ومصالح سعودية، بينما كثفت القوات الحكومية وحلفاؤها استعداداتهم العسكرية على جبهات عدة.

واللافت أن ميزان القوة لم يعد كما كان في بدايات الحرب. فالقوات الحكومية باتت تمتلك قدرات جوية أكثر فاعلية، وشاركت الطائرات اليمنية في ضرب مواقع لإطلاق الصواريخ والمسيّرات الحوثية، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف. وهذه التطورات، إذا اقترنت بقيادة عسكرية موحدة، واستخبارات دقيقة، وإمداد مستدام، يمكن أن تحول التفوق الجوي من مجرد قدرة دفاعية إلى عامل حاسم في تغيير قواعد الاشتباك.

أما الحديث عن أن الحوثيين«يلفظون أنفاسهم الأخيرة»، فيحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فامتلاك الجماعة قدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وشن هجمات متزامنة، واستثمار الجغرافيا الجبلية والساحلية، يعني أنها لا تزال قادرة على إطالة الحرب حتى لو تعرضت لخسائر بشرية ومادية كبيرة. وفي المقابل، فإن التقارير عن إطلاق مئات السجناء للقتال مقابل الإفراج عنهم، ومنها تقرير تحدث عن نحو 850 محتجزًا، إن صحت، تمثل مؤشرًا خطيرًا على ضغط بشري متزايد، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات انهيار القوة الحوثية.

وتبدو أمام اليمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية: أولها حرب استنزاف طويلة يحاول الحوثيون خلالها تعويض خسائرهم بالهجمات الصاروخية والمسيّرات؛ وثانيها تحول عسكري واسع إذا نجح معسكر الشرعية في توحيد قواته وفتح جبهات متزامنة واستثمار التفوق الجوي؛ وثالثها تسوية سياسية تفرضها كلفة الحرب وتوازنات الإقليم.

والسيناريو الأكثر واقعية أن الحسم لن يكون بضربة واحدة، بل بتراكم عوامل: انهيار القدرة البشرية، استنزاف السلاح، فقدان المبادرة، وتراجع القدرة على إدارة الجبهات. فإذا اجتمعت هذه العناصر لدى الحوثيين، فقد تبدأ مرحلة الانكفاء الحقيقي. أما إن بقيت الانقسامات داخل معسكر الشرعية، فإن الفرصة العسكرية قد تتحول مرة أخرى إلى هدنة مؤقتة، ويعود اليمن إلى دائرة الحرب المؤجلة.

لقد دخلت الحرب مرحلة اختبار مختلفة: ليس السؤال فقط من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك القدرة على استخدامه ضمن استراتيجية موحدة تنتهي بإعادة بناء الدولة.