ليست أخطر الجرائم تلك التي تُراق فيها الدماء فقط، بل تلك التي تُغتال فيها الكرامة ويُقتل فيها الأمل ويُحاصر الإنسان بالخوف وهو لا يزال على قيد الحياة. وهذه هي الحقيقة الموجعة لجريمة الابتزاز الإلكتروني؛ جريمة لا تستهدف المال وحده، بل تستهدف النفس الإنسانية، وتعبث بالأعراض والخصوصيات، وتحاول تحويل الضحية إلى رهينة لإرادة مجرم لا يعرف دينًا ولا أخلاقًا ولا قانونا.

لقد أصبح الهاتف المحمول عند بعض المجرمين سلاحا أشد خطرا من كثير من الأسلحة التقليدية، بضغطة زر يهددون، وبصورة يبتزون، وبرسالة يحاولون كسر إرادة إنسان بريء.

وما يزيد فداحة الجريمة أن كثيرا من الضحايا يصمتون خوفا من الفضيحة، بينما يستغل المبتز هذا الصمت ليواصل جرائمه، وينتقل من ضحية إلى أخرى.

إن السكوت على الابتزاز ليس حلًا، بل هو الوقود الذي يطيل عمر الجريمة. وكل استجابة لمطالب المبتز تمنحه شعورًا بالإفلات من العقاب، وتشجعه على التمادي في انتهاك حقوق الآخرين. لذلك فإن أول انتصار على المبتز يبدأ بالإبلاغ، وتوثيق الأدلة، واللجوء إلى القانون، لا بالاستسلام للتهديد.

كما أن المجتمع مطالب اليوم بأن يغيّر نظرته إلى الضحية. فالضحية لا تحتاج إلى اللوم، بل إلى الحماية والدعم. ومن المؤسف أن يتحول بعض الناس إلى شركاء في الجريمة عندما يعيدون نشر الصور أو المقاطع أو الشائعات، فيضاعفون الأذى الذي سعى المبتز إلى إحداثه. إن احترام خصوصية الضحايا ليس موقفًا أخلاقيا فحسب، بل هو واجب إنساني وقانوني.

وفي المقابل، فإن رسالة القانون يجب أن تكون واضحة وصريحة: لا حصانة لمبتز، ولا ملاذ آمن لمجرم إلكتروني. فالفضاء الرقمي ليس خارج نطاق العدالة، والتقنيات الحديثة والتعاون بين الجهات المختصة جعلا الوصول إلى مرتكبي هذه الجرائم أكثر قدرة مما يتصور الكثيرون.

إن معركتنا مع الابتزاز الإلكتروني ليست معركة تقنية فقط، بل معركة قيم ووعي وعدالة. فإما أن ينتصر المجتمع لكرامة الإنسان وحقه في الأمن والخصوصية، وإما أن يترك الخوف ينتصر، فيتحول كل صامت إلى ضحية محتملة.

رسالتي الأخيرة إلى كل مبتز: قد تظن أن شاشة الهاتف تخفي هويتك، وأن الحسابات الوهمية تحميك، لكنك واهم. فالقانون قد يتأخر، لكنه لا ينسى، والعدالة قد تصبر، لكنها لا تتخلى عن حق الضحايا.

ورسالتي إلى كل ضحية: لا تخف، ولا تستسلم، ولا تفاوض من جعل من الجريمة وسيلة للعيش. قف مع الحق، واحتفظ بالأدلة، واطلب حماية القانون، فكرامتك ليست محل مساومة، وحقوقك لا تسقط بالخوف.

إن الأوطان التي تحمي أبناءها من الابتزاز، هي أوطان تحمي مستقبلها. أما المجتمعات التي تتسامح مع هذه الجريمة، فإنها تفتح الباب لانهيار الثقة والأمن والقيم. ولهذا، فإن مكافحة الابتزاز الإلكتروني ليست خيارا، بل واجب وطني وأخلاقي وقانوني لا يحتمل التأجيل.

* رئيس شبكة محامون ضد الفساد